عادل علي جودة
اسمه، كما كنا ننطقه، «نزير»؛ هو صاحب الابتسامة الوادعة، والنظرة العفيفة، والقلب النقي، وهو ابن خالتي الحبيبة، بل ابن أمّي التي لم تلدني، والتي نلت الحظ أن أسكن حضنها، وأستنشق أنفاسها، وأنهل من نبع حنانها؛ إنها ساكنة روحي خالتي سعدية؛ أم نادر، رحمها الله رحمة واسعة، وغفر لها، وأسكنها فسيح جناته.
هو وإخوته؛ أبناء خالتي الأحب إلى قلبي، يصغرني بحوالي سنة، ويرتسم اسمه «نزير» في مخيلتي كواحة غناء تملؤها الفراشات، والعصافير، والورود، والرياحين.
لم أكن أعرف وقتئذٍ ماذا يعني هذا الاسم «نزير»، إلا أنني كنت أتذوق فيه نداوة روحه، وعفة إحساسه، ونداوة وسامته، وزكاوة فهمه وإدراكه.
ثم لمّا كبرت قليلًا، واقتحم الوعي مداركي، عرفت أن اسمه «نظير»، فوجدتني على الفور أهتف داخلي نعم؛ إي والله إنه «نظير»، وأكاد أجزم أنْ ليس له في براءته نظير، وليس له في سكينته شبيه، وليس له في نقائه مثيل، إلا أن اسم «نزير» بقي الأقرب إلى روحي.
قضينا معًا سنواتٍ طوال من طفولتنا التي لم نعِشْها كما ينبغي للطفولة أن تُعاش؛ نعم سنوات طوال؛ ذلك أن أسرتينا واجهتا ما رأيناه في «قطاع غزة» بعد السابع من أكتوبر 2023م على امتداد سنتين ونصف؛ من موت ودمار وتشتت وحصار، ثم الأشد من ذلك كله مرحلة النزوح.
حدث كذلك، بل أشد، مع أسرتينا سنة 1948م حيث كانت «النكبة»، إذ نزحت أسرته إلى «مخيم دير البلح» الذي شَهِدَ ولادته سنة 1956م -إن لم أكن مخطئًا-، بينما نزحت أسرتي إلى «قرية عبسان الكبيرة» التي شهدت ولادتي سنة 1955م.
لقد كان النزوح مشيًا على الأقدام من بلدتنا «إسدود» إلى «مخيم دير البلح»؛ أي ما يقارب 35كلم بالنسبة لأسرته، ومن إسدود إلى «قرية عبسان الكبيرة»؛ أي ما يقارب 62 كلم بالنسبة لأسرتي.
إلا أن أسرتي لم تنل الحصول على بيت في مخيمات وكالة غوث اللاجئين، فراح أبي؛ رحمه الله ورضي عنه وأرضاه، يجمع جريد النخل وجذوعه ويصنع منها جدرانًا وسقفًا على قطعة أرض مربعة لا تتجاوز أطوال أضلاعها التسعة أمتار لتكن سكنًا له ومعه أمّي؛ رحمهما الله ورضي عنهما وأرضاهما، وإخوتي الثلاثة الذين هاجروا معهما؛ رحمهم الله جميعًا.
وهكذا؛ افترقت الأسرتان، إلا أن تلك العلاقة الأخوية الاستثنائية التي تجمع بين الأختين؛ أمّي وخالتي، كسرت كل القيود، فراحت خالتي وزوجها؛ ذلك الرجل الأصيل عمّي الغالي أبو نادر؛ رحمهما الله ورضي عنهما وأرضاهما، أبَيَا إلا أن يبذلا جهدًا لا يمكن تخيله، حتى وجدا لنا بيتًا بالقرب في مخيم دير البلح بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بجهود ذوي الهمم العالية ومن بينهم جارنا الغالي الشاويش أبو إسماعيل أمان؛ رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وكان أمام ساكني ذلك البيت بضعة أيام أو ربما أسابيع؛ لا أذكر بالضبط، ليغادروه، فما كان من خالتي وزوجها العظيم إلا أن يُصرّا على استضافة أسرتي المكونة من «أبي»، و»أمّي»، وإخوتي الأربعة الكبار، وأنا، وسبحان الله الرحمن الرحيم كيف أنزل بركته على ذلك البيت الصغير ليتسع لأسرتين كبيرتين. كنت حينئذٍ قد بلغت ربما أربع أو خمس سنوات؛ لا أذكر بالضبط، لكنني أتذكر تلك الأيام بوضوح تام؛ كنا بضعة شباب ومجموعة أطفال تجمعنا غرفة صغيرة.
انتقلنا بعدها إلى ذلك البيت المكون من غرفة واحدة، ومطبخ صغير، ودورة مياه أصغر، لكنه في ذلك الحين كان بالنسبة لنا في منظور تلك المعاناة بمثابة قصر.
وكبرنا شيئًا فشيئًا حتى فرّقت بيننا المسافات، وباعدت بيننا الأماكن، وكل منا تزوج وأنجب، فأصبح يُنادى بأبي إياد، إلا أن اسمه بقي لدي «نزير»، ليس الاسم فقط، بل حتى الملامح بقيت كما هي؛ ملامح تلك الطفولة.
ثم رزقه الله بأداء مناسك الحج؛ فبات يُنادى بـ»الحاج أبو إياد»، فرِحْتُ لأدائه الفريضة، إلا أنني هامست طيفه داخلي مهنئًا: حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا يا أغلى «نزير».
وبالأمس القريب وتحديدً بتاريخ 7 إبريل 2026م حُمِلَ صديقي، بل أخي، «نزير» إلى السرير الأبيض فاقدًا للوعي تمامًا بسبب وعكة صحية ألمّت به يُقال لها «جلطة»، أقولها والحيرة تلسعني، والعجز يخنقني، والدمعة تغلبني؛ إذ إنه هناك في المستشفى الوحيدة الشامخة شموخ نخيل دير البلح رغم ما حل بها من دمار، وأنا هنا في الرياض، ووالله المشكلة التي تحول دون وصولي إليه، ليست في بعد المكان ولا في طول المسافة، بل في ذلك الوضع القاتل الذي بقي فيه «قطاع غزة» كما كان؛ سجنًا يحيطه الإقفال والحصار ويدميه القتل والدمار.
واليوم؛ وتحديدًا بتاريخ 28 إبريل 2026م، ارتقت روحه الطاهرة إلى بارئها؛ خبر جلل صعق حواسنا، وأصاب قلوبنا بحزن عميق يزاحم ذكرياتنا، لقد مات «نزير»، مات «نظير»، مات «الحاج أبو إياد»، مات ابن خالتي الحبيب، مات؛ وليس لنا إلا التأسي بحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبدالله؛ صلى الله عليه وسلم، فنقول بنبض آهاتنا إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا بفراقك يا نزير، يا أبا إياد، لمحزونون.
رحمك الله يا أبا إياد رحمة واسعة، وغفر لك، وثبتك عند السؤال، وتقبلك شهيدًا، وأسكنك عليين مع الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وعظم أجر إخوتك، وزوجك، وأبنائك وأحفادك، وكلِّ أحبتك، وأجرنا جميعًا، وأحسن عزاءنا، وألهمنا الصبر.
{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.