المحامي د. مساعد بن سعود الرشيدي
بدخولها المرحلة الثالثة والأخيرة، تقترب رؤية المملكة 2030 من تحقيق كافة مستهدفاتها، فالاقتصاد آخذ في الازدهار أكثر من أي وقت مضى، والمجتمع مفعم بالحيوية، وطموح الوطن يتجاوز عنان السماء. هذا ما يكشف عنه التقرير السنوي لرؤية المملكة لعام 2025. فبحسب التقرير حققت المملكة قفزات نوعية في مجال تعزيز بيئة الاستثمار وحماية المستثمرين، حيث تجاوز الاقتصاد السعودي المستهدفات المرحلية، مدعوماً ببيئة قانونية وتشريعية متطورة، مستنداً إلى مكامن القوة التي تتميز بها المملكة باعتبارها قلب العالمين العربي والإسلامي، إلى جانب امتلاكها قوة اقتصادية فاعلة، وتبوئها موقعاً جغرافياً إستراتيجياً يُعد محوراً لوجستياً وتجارياً عالمياً. وبالنظر إلى حصاد السنوات العشر الأخيرة من رؤية 2030، نجد أن حكومة المملكة قد أولت القطاع الخاص اهتمامًا كبيراً، عبر تعزيز دوره، وتعزيز فرصه الاستثمارية؛ ما أسهم في خلق دور له في نمو الناتج المحلي، وتعزيز تنافسية القطاعات المختلفة، وفي هذا السياق دخل القطاع الخاص مجالات جديدة في القطاعات ذات الأولوية الوطنية وعلى رأسها: السياحة والترفيه والتقنية والبنية التحتية والطاقة والصحة، ما أسهم في تعزيز الناتج المحلي غير النفطي، وكان له مساهمة في خفض معدلات البطالة.
علاوة على ذلك عمدت المملكة إلى توسيع دور صندوق الاستثمارات العامة في البدء في توطين بعض الصناعات ذات الآفق الواسع في النمو، وعلى رأسها صناعة السيارات الكهربائية، وتضاعفت أصول صندوق الاستثمارات العامة من 720 مليار ريال في 2016 إلى نحو 3.41 تريليون ريال بنهاية 2025، بدعم من إستراتيجية استثمارية نشطة عبر قطاعات متعددة.
وتجدر الإشارة إلى أن المملكة دعمت التحولات في قطاعات الاقتصاد بتشريعات وإصلاحات قانونية أسهمت في قيادة النمو التجاري، خاصة أنها أوجدت إطاراً استثماريًا جاذبًا، وهيأت البيئة لتشجيع العمل الحر وريادة الأعمال، وتسهيل ولوج الشركات للسوق، ما انعكس على الرخص الاستثمارية، ومنها السجلات الأجنبية، وكانت قطاعات استراتيجية هي صاحبة الريادة في تلك السجلات، أهمها: قطاع البناء، وأنشطة المطاعم وخدمات الأطعمة المتنقلة، والخدمات اللوجستية، والحوسبة السحابية، وتنظيم الرحلات السياحية، وصناعة ألواح شمسية.
وبحسب التقرير، فقد شهد العقد الأخير نموًا واضًحًا، وفرًصًا خلاقة في مختلف القطاعات، إذ استمرت الرؤية بدفع عجلة الإنجاز وتوسيع الجهود التحولية، مع التركيز على تعظيم الفائدة من القطاعات ذات الأولوية، من خلال استحداث استراتيجيات تنموية طويلة المدى، وزيادة رأس مال صندوق الاستثمارات العامة لتنفيذ هذه الطموحات.
وفي سياق متصل، تشير البيانات إلى تحسن واضح في جاذبية السوق السعودية للاستثمارات الأجنبية، حيث تجاوز عدد الشركات العالمية التي افتتحت مقرات إقليمية في المملكة 700 شركة، متخطياً المستهدف حتى عام 2030 قبل موعده بنحو خمس سنوات، مدعوماً بحوافز ضريبية وتنظيمية. كما يشير مؤشر الاستثمار الأجنبي المباشر لعام 2025 إلى اتساع في قدرة المملكة على جذب رأس المال الخارجي؛ حيث ارتفعت قيمة التدفقات من 28 مليار ريال في عام 2017 إلى 133 مليار ريال في عام 2025.
كما حافظت المملكة على موقع متقدم في الاستثمار الجريء على مستوى المنطقة، ما يشير إلى توسع النشاط في القطاعات الجديدة، لاسيما القطاعات التقنية.
وبالتوازي، واصلت المملكة تنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والتنظيمية التي عززت جاذبية بيئة الأعمال، ما انعكس على تقدمها في مؤشرات التنافسية العالمية؛ حيث قفزت أكثر من 20 مرتبة في مؤشر التنافسية العالمي لتحتل المرتبة 17 عالمياً، بدعم من سياسات استهدفت تسهيل ممارسة الأعمال، عبر إجراءات اختصار التراخيص ومتطلباتها، وتعزيز شفافية القوانين في حل النزاعات وتطوير الأطر المنظمة مثل المحاكم التجارية والتحكيم التجاري والتنافسية. ولا نبالغ إذا قلنا إن المملكة قد أعادت بالفعل صياغة خارطة الاستثمار في العالم بانضمامها إلى قائمة أفضل 10 مراكز في العالم من حيث سهولة التعامل والبنية التحتية الجاذبة للاستثمار؛ والطريق ممهد أمامها، بفضل الله ثم رؤاها الطموحة وقيادتها الحكيمة؛ لتحرز مركزاً أكثر تقدماً خلال السنوات القادمة لتصبح الوجهة الأولى في المنطقة في مجال جذب الاستثمارات المباشرة.
** **
- محام خبير في القانون التجاري والحوكمة