هدى بنت فهد المعجل
في عصرنا الحديث، لم يعد الإنسان يعيش فقط بين البشر، بل أصبح محاطًا بعالم غير مرئي من الخوارزميات التي تُشكّل قراراته وتوجّه اهتماماته دون أن يشعر. هذه الخوارزميات، التي تقف خلف منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والتطبيقات الذكية، لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل تحوّلت إلى قوة خفية تؤثر في سلوكنا اليومي، من أبسط اختياراتنا إلى أعمق قناعاتنا.
حين تفتح هاتفك صباحًا، ما تراه ليس عشوائيًا. الأخبار التي تظهر لك، المقاطع التي تُعرض، الإعلانات التي تلاحقك، كلها نتيجة تحليل دقيق لسلوكك السابق. وكأن هناك عقلًا رقميًا يراقبك، يتعلم منك، ثم يعيد تقديم العالم لك بطريقة تناسبك، أو بالأحرى: بطريقة تبقيك أطول وقت ممكن داخل هذا العالم.
المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في درجة اعتمادنا عليها. لقد بدأنا نفقد شيئًا فشيئًا قدرتنا على الاختيار الحر. حين تقترح عليك منصة ما فيلمًا، فأنت غالبًا ستشاهده. وحين تُظهر لك آراء متشابهة مع رأيك، ستظن أن العالم كله يتفق معك. وهنا تتشكل ما يُعرف بـ»فقاعة الرأي»، حيث يعيش الإنسان داخل دائرة مغلقة من الأفكار، لا يرى خارجها إلا القليل.
هذا التأثير يمتد إلى ما هو أبعد من الترفيه. في السياسة، تُستخدم الخوارزميات لتوجيه الرأي العام. في التسوق، تُدفع لاتخاذ قرارات شراء قد لا تحتاجها. حتى في العلاقات، أصبح الاختيار مبنيًا على «توصيات» رقمية. وكأن الإنسان بدأ يتنازل عن جزء من إرادته لصالح راحة الاختيار السريع.
لكن، هل يعني هذا أننا فقدنا السيطرة تمامًا؟ ليس بالضرورة. الوعي هو الخطوة الأولى نحو التحرر. حين ندرك أن ما نراه ليس الحقيقة الكاملة، بل نسخة مفلترة منها، نبدأ في استعادة قدرتنا على التفكير النقدي. يمكننا أن نكسر هذه الفقاعة بالبحث عن مصادر مختلفة، وبالاستماع لآراء لا تشبهنا، وبطرح الأسئلة بدل الاكتفاء بالإجابات الجاهزة.
كما أن على المؤسسات التقنية مسؤولية أخلاقية كبيرة. لا يكفي أن تسعى للربح أو لزيادة التفاعل، بل يجب أن توازن بين ذلك وبين الحفاظ على وعي المستخدم واستقلاليته. فالتقنية، في جوهرها، يجب أن تكون في خدمة الإنسان، لا أن تُعيد تشكيله وفق معاييرها.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نستخدم الخوارزميات، أم هي التي تستخدمنا؟ الإجابة ليست ثابتة، بل تتغير مع كل قرار نتخذه. فإما أن نكون مستخدمين واعين، نُحسن توظيف هذه الأدوات، أو نتحول إلى مجرد بيانات تُغذّي نظامًا لا يتوقف عن التعلم.
إن الإنسان في زمن الخوارزميات يقف على مفترق طرق: طريق الوعي، وطريق الانسياق. والاختيار -رغم كل شيء- لا يزال بيده.