سمر المقرن
ليست كل شماتةٍ سواء.. هناك شماتةٌ يمكن تفسيرها بضعفٍ بشري، وأخرى لا تُفسَّر إلا بغياب شيء جوهري في الداخل. أن يشمت إنسان بخسارة، بخطأ، حتى بسقوط! هذا قاسٍ، لكنه مفهوم في حدود النفس حين تضيق. أما أن يشمت بمرض، أو يفرح بموت، فذلك ليس انفعالاً عابرًا، بل خلل في ميزان الإنسان نفسه.
الموت ليس موقفًا يُصفَّى فيه الحساب، ولا المرض مساحة لتصفية الضغائن. هناك لحظات في الحياة تُسقِط كل الخلافات، وتُعيدنا إلى أصلنا الأول: إنسان هشّ، قابل للانكسار، ومعلّق بخيطٍ دقيق بين الحياة والغياب. في تلك اللحظات، لا يُفترض أن نكون خصومًا، بل شهودًا على ضعفنا المشترك.
الشماتة بالموت تحديدًا تكشف قسوة من نوع آخر. كأن الإنسان لا يرى في الموت سوى نهاية خصم، لا نهاية روح. كأنه ينسى أن الموت ليس انتصارًا لأحد، بل تذكير صامت بأننا جميعًا في الطريق ذاته، وإن اختلفت محطاتنا. من يفرح بموت غيره، يختزل الحياة في صراع صغير، ويغفل عن حقيقتها الكبرى: أننا عابرون، وأن ما يبقى ليس من غلب، بل من كان أكثر رحمة.
أما المرض، فهو امتحان لا يُمنح ليرضي أحدًا أو يُثبت شيئًا. المرض يعرّي الإنسان من قوته، ويضعه وجهًا لوجه مع ذاته، مع ضعفه، مع خوفه. أن يأتي آخر ويشمت في هذه اللحظة، فذلك أشبه بمن يقف أمام مرآة الألم ويضحك دون أن يدرك أنه قد يرى نفسه فيها يومًا.
الأخطر أن الشماتة هنا لا تظل شعورًا داخليًا، بل تتحول إلى كلمات تُقال، وتعليقات تُكتب، وكأنها حق. ومع كل مرة تُقال فيها، يتآكل شيء من الحس الإنساني، حتى يصبح الألم خبرًا عاديًا، والموت مادة للنقاش، لا موضعًا للرهبة.
ليس المطلوب أن نُحب من أساء إلينا، ولا أن نُجمِّل صورته في ذاكرتنا، لكن هناك حدًّا أخلاقيًا لا يُفترض تجاوزه. حين يمرض إنسان أو يموت، يسقط الخلاف، وتبقى الإنسانية أو يفترض أن تبقى!
في النهاية، المرض والموت لا يُهزمان، ولا يُحتفى بهما، بل يُوقران. ومن لم يتعلَّم الوقار أمام ضعف الإنسان، لن يتعلَّم معنى أن يكون إنسانًا أصلًا!