د. محمد بن أحمد غروي
تواصل رابطة العالم الإسلامي ترسيخ دورها المحوري في تعزيز قيم السلام والتفاهم بين الشعوب من خلال مبادراتها النوعية التي تجمع القيادات الدينية والفكرية على طاولة الحوار، وتبرز ماليزيا كشريك فاعل في هذا السياق باحتضانها النسختين الأولى والثانية للقمة الدولية لقادة الأديان، وإعلان الرابطة، خلال زيارة وفدها الأخيرة للعاصمة كوالالمبور، استضافتها للنسخة الثالثة أيضاً، في تكرار يعكس عمق الشراكة بين الطرفين. في اعتقادي أن هذه القمة من خلال مشاركتي في نسختيها الأولى والثانية بأنها ليست مجرد مناسبة بروتوكولية، بل هي منصة حقيقية للتشاور ومناقشة التحديات المشتركة التي تواجه المجتمعات، وفي مقدمتها خطاب الكراهية والتطرف وسوء الفهم المتبادل بين أتباع الديانات. ويعد هذا الحدث إحدى مبادرات الرابطة التي جاءت لتؤسس لمساحات حوار تقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع وأهمية العمل المشترك من أجل مستقبل أكثر استقرارًا. وقد أكد الإعلان عن انعقاد القمة للمرة الثالثة تنامي الإرادة الدولية لتفعيل دور القيادات الدينية في صناعة السلام ودور جيل الشباب فيها، بعد أن أثبتت التجارب أن الحوار بين الأديان لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة ملحّة في ظل عالم سريع التحولات، تتزايد فيه النزاعات ذات الطابع الثقافي والاجتماعي.
وفي إطار جهود الرابطة في هذا المجال يبرز معالي أمينها العام الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الذي يتبنى رؤية متكاملة تهدف إلى نشر ثقافة السلام، وتعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات؛ فقد استطاع، من خلال حضوره الدولي ومبادراته المتعددة، أن يرسّخ خطابًا عقلانيًا متزنًا، يجمع بين أصالة القيم الإسلامية ومتطلبات الواقع المعاصر، مستنداً في رؤيته على مبدأ أساسي مفاده أن الاختلاف سنة كونية، وأن التعايش ليس خيارًا مرحليًا، بل قيمة إنسانية أصيلة يجب ترسيخها في الوعي الجمعي.
كما أولى الدكتور العيسى أهمية خاصة لتعزيز جسور التواصل مع القيادات الدينية حول العالم، إيماناً منه بأن الحوار الصادق هو السبيل الأنجح لتفكيك الصور النمطية وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وبالتالي بناء الثقة بين المجتمعات؛ ومن خلال مشاركته في العديد من المؤتمرات الدولية، وزياراته لمراكز وجهات دينية وثقافية مؤثّرة، استطاع أن ينقل صورة حقيقية عن الإسلام، بوصفه دينًا يحترم كرامة الإنسان ويحث على التعاون فيما يخدم الإنسانية جمعاء، كما أن جهوده في إطلاق وثائق ومبادرات عالمية، أبرزها وثيقة مكة المكرمة، أسهمت في وضع أطر عملية لتعزيز التعايش الإيجابي، ومواجهة خطاب الكراهية، والتصدي للتطرف بكافة أشكاله. وتأتي جهود معالي الأمين العام ضمن الدور الأوسع الذي تضطلع به رابطة العالم الإسلامي، بوصفها منظمة دولية تتبنى مقاربة شاملة تجمع بين العمل الإنساني والتنموي والفكري، بما يعكس رسالة الإسلام في بعدها الحضاري، ويعزِّز الحضور الإيجابي للمسلمين على الساحة العالمية، ويبرز القيم المشتركة بين الشعوب، ويرسخ ثقافة التعاون، ويدعم الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار.
هناك تثمين لدول جنوب شرق آسيان (آسيان) وماليزيا تحديداً في الدور الذي تقوم به الرابطة في مجالات عدة الإنسانية منها والفكرية فقد ثمن رئيس الوزراء الماليزي الدور المحوري للرابطة وأمينها لخدمة الإسلام والمسلمين.
وفي المحصلة، يمثِّل التعاون بين رابطة العالم الإسلامي ودول فاعلة مثل ماليزيا نموذجًا متقدمًا للعمل الدولي المشترك في تعزيز السلام، وهو جهد يستند إلى قيم إسلامية أصيلة، ويعكس وعيًا عميقًا بمتطلبات المرحلة، ويؤكد أن الأديان يمكن أن تكون جسرًا للتلاقي لا سببًا للصراع. ومع استمرار هذه المبادرات، تتعزَّز الآمال في بناء عالم أكثر انسجامًا يقوم على الاحترام المتبادل، ويحتفي بالتنوع، ويعمل من أجل خير الإنسان أينما كان.