سعدون مطلق السوارج
إذا كان التحول الذي تقوده المملكة العربية السعودية قد أعاد تعريف موقعها في موازين القوة، فإن السؤال الذي فرض نفسه في ختام المشهد السابق لم يعد افتراضيًا، بل بات ضرورة تحليلية: كيف ينعكس هذا الصعود على بنية الخليج ذاته؟ وهل ما نشهده اليوم هو مجرد تطوير في أدوات التنسيق، أم أننا أمام انتقال نوعي نحو مرحلة جديدة يصبح فيها الخليج فاعلًا في صياغة التوازنات لا مجرد متأثر بها؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تجاوز القراءة التقليدية التي اختزلت مجلس التعاون لدول الخليج العربية في كونه إطارًا للتشاور، والنظر إليه بوصفه كيانًا في طور إعادة التشكّل. فالمجلس، الذي تأسس في سياق أمني وسياسي محدد، يدخل اليوم مرحلة مختلفة تتسم بارتفاع مستوى الوعي الجماعي بطبيعة التحديات، وبضرورة الانتقال من «إدارة الأزمات» إلى إنتاج الاستقرار وصياغة التأثير.
لقد شكّل الاجتماع التشاوري الاستثنائي الذي انعقد في جدة لحظة كاشفة في هذا المسار، ليس فقط لما عكسه من تقارب في المواقف، بل لما حمله من دلالة أعمق: تحول في طبيعة التفكير الخليجي من التباين المحسوب إلى التماسك المقصود. فالتحديات لم تعد تُقرأ بوصفها ملفات منفصلة، بل بوصفها شبكة مترابطة من المخاطر والفرص، تتطلب استجابة جماعية تتجاوز حدود الإدارة التقليدية إلى بناء رؤية مشتركة قادرة على التعامل مع تعقيدات المرحلة.
وهنا يتبدى التحول الجوهري: لم يعد المجلس منصة لتبادل وجهات النظر، بل بدأ يتحول - بهدوء محسوب - إلى أداة لإعادة صياغة البيئة الإقليمية. وهذا التحول لا يقوم على الشعارات، بل على إعادة بناء عناصر القوة من الداخل: اقتصاد متكامل، موقف سياسي أكثر انسجامًا، ورؤية استراتيجية تتعامل مع الإقليم بوصفه وحدة تفاعل لا ساحات متفرقة.
وفي قلب هذا التحول، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها محور الارتكاز الذي يمنح هذا التماسك معناه العملي. فالتسارع الذي تشهده في إطار رؤية السعودية 2030 لا ينعكس على الداخل السعودي فحسب، بل يمتد تأثيره ليعيد ضبط إيقاع الخليج بأكمله. فكلما تعاظمت قدرة المملكة على إنتاج نموذج اقتصادي مستقر ومتقدم، ازدادت قدرة المنظومة الخليجية على التحول من حالة التفاعل إلى حالة التأثير.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل تماسك مجلس التعاون لدول الخليج العربية عن الثقل النوعي الذي تمثله المملكة العربية السعودية داخل هذه المنظومة، حيث لا يقتصر دورها على كونها دولة محورية، بل يتجاوز ذلك إلى كونها ركيزة الاستقرار وصانعة الإيقاع الاستراتيجي في الخليج. فبقدر ما تتقدم المملكة في مسارات التحول الاقتصادي والسيادي، يتعزز تماسك المجلس، ويتحول من إطار تنسيقي إلى كتلة تمتلك القدرة على حماية مصالحها وصياغة موقعها في الإقليم بثقة أكبر.
ومع ذلك، فإن هذا التماسك لا يقوم على مركز واحد بقدر ما يستند إلى تكامل الأدوار بين جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث تمتلك كل دولة عناصر قوة نوعية تُسهم في بناء هذه المنظومة، سواء على المستوى الاقــتــصــادي أو السياسي أو التنموي. ومن هذا التكامل تحديدًا تتشكل قوة الخليج الحقيقية، لا بوصفه مجموعة دول متجاورة، بل كيانًا متماسكًا تتعاضد فيه القدرات، وتتقاطع فيه المصالح ضمن رؤية مشتركة.
ولعل ما يميز هذا التحول أنه لا يسير في اتجاه التصعيد التقليدي، بل يعتمد على بناء نموذج متوازن يقوم على الاستقرار والتكامل والقدرة على الجذب. ففي بيئة إقليمية تتسم بالتعقيد، يصبح النموذج المستقر - اقتصاديًا وسياسيًا - أداة قوة لا تقل تأثيرًا عن الأدوات الأخرى، بل قد تتفوق عليها في المدى البعيد.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أثر هذا التماسك في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، بما في ذلك ما يرتبط بسلوك إيران. فبدلًا من الانخراط في معادلات استنزاف مباشر، يعيد الخليج - بهدوء وثقة - بناء موقعه من خلال تعزيز قوته الداخلية، وتوسيع خياراته الاقتصادية، ورفع مستوى تنسيقه السياسي، وهي مقاربة تسهم في الحد من التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
أما اقتصاديًا، فإن تكامل الرؤى - وفي مقدمتها رؤية السعودية 2030 - يفتح الباب أمام تحول نوعي من اقتصادات متجاورة إلى منظومة اقتصادية مترابطة قادرة على المنافسة عالميًا. وهذا التحول، إذا ما اكتمل، لن يغير فقط موقع الخليج في الاقتصاد الدولي، بل سيعيد تعريفه بوصفه مركز ثقل اقتصادي واستثماري يمتلك القدرة على التأثير في اتجاهات السوق العالمية.
إن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في تطوير آليات العمل الخليجي، بل هو أقرب إلى إعادة تعريف وظيفة المجلس ذاته. فبعد أن كان أداة للحفاظ على التوازن، بدأ يتحول إلى أداة لصناعته. وهذا الفارق هو ما يحدد ما إذا كان الخليج سيبقى ضمن معادلات الإقليم.. أو سيصبح أحد من يكتبها.
وفي ضوء هذا التحول، تتبلور ملامح مرحلة جديدة: خليج أكثر تماسكًا، أكثر قدرة على الفعل، وأكثر حضورًا في صياغة التوازنات.
غير أن هذا المسار، على ما يحمله من قوة، يفتح بابًا لسؤال أكثر عمقًا: إذا كان الخليج يعيد تشكيل نفسه بهذه الصورة، فكيف سينعكس ذلك على توازنات الإقليم في ظل التحولات المتسارعة؟
ذلك هو السؤال الذي يقود إلى المرحلة التالية.. حيث لا يُقرأ هذا الصعود بمعزل عن التحولات المحيطة، بل كجزءٍ من مشهدٍ إقليمي يُعاد تشكيله بتوازنات جديدة، تُعزز من حضور الخليج ككتلة متماسكة، وتفتح المجال أمام مرحلة مختلفة في رسم معادلات المنطقة، تتقدم فيها المصالح المشتركة، وتترسخ فيها أسس الاستقرار، ويغدو فيها الخليج عنصرًا فاعلًا في صياغة مستقبل الإقليم لا مجرد متلقٍ لتحولاته.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي