رسيني الرسيني
كلما أتى الحديث عن صندوق الاستثمارات العامة، جاء السؤال عن ماذا حقق وما العائد الملموس للاقتصاد السعودي؟ ولعل هذين السؤالين مبرران بسبب الزخم الكبير الذي حظي به الصندوق بوصفه أحد أهم محركات التحول الاقتصادي في المملكة ضمن إطار رؤية 2030، فقد انتقل من دور تقليدي يركز على إدارة الأصول إلى دور أكثر عمقًا يتمثل في صناعة القيمة الاقتصادية وبناء قطاعات جديدة، وبالتالي لم تعد الاستثمارات في الصندوق مجرد أدوات لتحقيق العائد، بل أصبحت وسائل لتأسيس اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة. وبكل الأحوال: يأتي السؤال ماذا حقق الصندوق خلال الفترة السابقة من حيث العوائد المباشرة وغير المباشرة؟
يجب الإشارة هنا إلى أن الصندوق نشأ قبل خمسين عاما، ليكون رافدًا اقتصاديًا وطنيًا ساهم في تأسيس مرحلة اقتصادية مهمة إلى تمكين اقتصاد المملكة من التقدم بخطوات متسارعة أهلته للانضمام إلى مجموعة العشرين التي تضم أقوى اقتصادات العالم.
ومؤخرًا سجل الصندوق نموًا استثنائيًا من نحو 500 مليار ريال في عام 2015م إلى ما يتجاوز 3.4 تريليون ريال بحلول 2025م. وعلى المستوى المحلي، ضخ الصندوق استثمارات ضخمة في مشاريع جديدة خلال الأعوام الأخيرة أسهمت في تسجيل 10% في الناتج المحلي غير النفطي للمملكة في عام 2024م ليصبح أحد أهم روافده، كما عزز المحتوى المحلي بمستويات إنفاق كبيرة، بالتوازي مع توسع حضوره العالمي عبر استثمارات ومكاتب دولية في الأسواق الاستراتيجية.
اقتصاديًا، لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن أثرها الهيكلي. فالنمو في الأصول لا يعكس فقط تضخمًا ماليًا، بل يعكس إعادة توزيع رأس المال نحو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، بما يسهم في رفع الإنتاجية للاقتصاد. ومن المهم الإشارة إلى أن الصندوق حقق عوائد مستقرة يتجاوز 7% سنويًا، بما يشير إلى تبني منهج استثماري متوازن يجمع بين النمو والانضباط المالي.
أما على صعيد الاقتصاد الكلي، فإن مساهمة الصندوق في الناتج غير النفطي تعكس تحولًا تدريجيًا في مصادر النمو، بما يقلل من الاعتماد على الإيرادات التقليدية، ويعزز هذا التوجه ما حققه الصندوق من ثقة دولية مدعومة بتصنيفات ائتمانية قوية من وكالات مثل: موديز وفيتش بشكل يعكس متانة مركز الصندوق المالي.
وفي المختصر، لم يعد الصندوق مجرد مستثمر سيادي، بل أصبح أحد أهم أدوات السياسة الاقتصادية الحديثة في المملكة. فهو لا يكتفي كونه مجرد مستثمر تقليدي، بل تحول إلى مهندس للتنمية يعيد توجيه رأس المال نحو قطاعات المستقبل ويصنع منظومات اقتصادية جديدة. وهذا الدور يتجاوز تعظيم العوائد المالية إلى بناء اقتصاد متنوع وأكثر مرونة واستدامة، حيث إن ما تحقق من إنجازات وما يتشكل من فرص، توضح أن المرحلة الماضية لم تكن سوى تأسيس لمرحلة أكثر عمقًا. فالحديث اليوم ليس عن حجم ما أُنجز، بل عن كيفية البناء عليه لخلق اقتصاد أكثر تنافسية عالميًا.
حسنًا، ثم ماذا؟
لم يعد السؤال ماذا حقق الصندوق، وإنما ماذا سيصنع في المستقبل القريب، وهو مقالي القادم -بمشيئة الله- عن إستراتيجية الصندوق للسنوات القادمة.