د.عيد بن حجيج الفايدي
تبوك اليوم كبوابة زمنية مشرعة على صفحات من التاريخ، تمتد من مسيرة «جيش العسرة» وصولاً إلى «تبوك الورد» وتحتضن بين جنباتها شواهد ومعالم تاريخية فريدة. ففي قلبها يتجلى مشهدٌ مهيب يجتمع فيه الزمان والمكان في أبهى صورهما، حيث تتعانق معالمُ يفصل بينها وبين الحاضر قرونٌ من المجد والدهشة. إن صفحات تاريخ المنطقة تكشف عن كيانٍ لا يمكن اختزاله في مجرد مقال، بل هي حالة استثنائية تلاحم فيها التاريخ بالتضاريس في مشهد إنساني شامخ، يتجاوز حدود المكان ليكون حاضناً لذاكرة بشرية تمتد لأكثر من عشرة آلاف سنة؛ بدءاً من عصور ما قبل الإسلام الموغلة في القدم، مروراً بالانعطافة التاريخية الكبرى في عصر النبوة، وصولاً إلى هذا الجزء الحيوي النابض في جسد الوطن، حيث لا ينفصل ماضٍ عن حاضر.
في السنة التاسعة للهجرة، كان المكان على موعدٍ مع التاريخ حين قاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم «جيش العسرة» في آخر غزواته. وفي تلك الرحلة الشاقة تجلت أسمى معاني الصبر، وسُجّلت دروسٌ ما زالت تُدرّس وتنتقل من جيل إلى آخر. عُرف المكان حينها بـ«عين تبوك»، وهي موردٌ شحيح لم يكن يكاد يكفي رجلاً واحداً في هجير الصيف. وهنا تبرز اللمسة الإنسانية في السيرة النبوية حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بيقينٍ ألا يمس أحدٌ ماء العين حتى يصل إليها، وكأنها دعوة لضبط النفس وانتظار المعجزة النبوية. وعند المورد غرف الصحابة من مائها القليل، ثم غسل النبي صلى الله عليه وسلم وجهه ويديه وأعاده فيها، لتنفجر ينابيع العين بماءٍ غرير انهمر من عروق الأرض، في معلمٍ عُرف لاحقاً بـ«عين السكر». وفي تلك اللحظة الاستشرافية قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مُلئ جناناً». واليوم يرى الزائر كيف تجسدت تلك النبوءة واقعاً ملموساً بفضل الله ثم بجهود الدولة؛ إذ تحولت تبوك إلى «سلة غذاء» كبرى تزدان بملايين الأشجار والمزارع، واستحقت لقب «تبوك الورد» مع نطاق عمراني امتد في كل اتجاه.
وفي محيط واحد لا تفصله مسافات، تبرز أربعة مواقع تحكي قصصاً متباينة؛ أولها «مسجد التوبة» (أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم) الذي ارتبط بغزوة تبوك، ورغم تجديده معمارياً، إلا أن محيطه لا يزال يتطلع إلى تخطيط عصري يليق بمكانته التاريخية، فهو بحاجة إلى ميدان كبير تُعاد فيه زراعة النخيل ويُسمّى «ميدان الغزوة». أما «عين تبوك» أو «عين السكر»، فهي بحاجة ماسّة إلى إعادة تأهيل بحيث يُعاد الماء إلى صفاء صالح للشرب والوضوء. وتأتي «قلعة تبوك» بصفحاتها وبعدها التاريخي الذي يتجاوز 450 عاماً لتجسد انتصار الذاكرة على النسيان؛ فقد كانت مركزاً إستراتيجياً على طريق الشام والمدينة، ومقراً للحاكم، ومحطةً للحجاج والقوافل. وبمجهود ورعاية كريمة من مسؤولي المنطقة أُعيد تأهيلها لتصبح اليوم رئةً ثقافية نابضة تربط الحاضر بجذوره.ومن حكايات التاريخ يبرز «مبنى ثانوية تبوك» الواقع على الضفة الغربية للقلعة، كوثيقة عمرانية نادرة بدأت كأول منشأة تعليمية حديثة (المدرسة الصناعية) قبل نحو 75 عاماً. ورغم ما يعانيه اليوم من أسوار مهدّمة ونوافذ محطّمة وأغصان يابسة وألوان باهتة، إلا أنه لا يزال يحتفظ بصلابته الخرسانية وهويته التي تشهد على مرحلة التوسع الأفقي للمدينة؛ فقد كان يوماً وحيداً وسط الرمال، والآن بات في قلب العمران النابض.إن ذاك المبنى ليس مجرد هيكل مهجور، بل هو كنز تاريخي واستثماري لا يحتاج لدراسة جدوى، بل يستحق إعادة النظر. ويمكن استعادة نبضه عبر خيارات تطويرية ملهمة؛ كمركز تجاري لريادة الأعمال يضم متحفاً تعليمياً تفاعلياً، أو مركزاً للابتكار يربط تاريخ العلم بمستقبل الاقتصاد، أو حتى مجمعاً تجارياً بطابع تراثي، أو فندق «بوتيك» يستقطب الباحثين عن عبق الذاكرة. إن إعادة إحياء مبنى ثانوية تبوك هي فعلُ وفاءٍ إنساني واستثمارٌ ذكي في الذاكرة؛ هي دعوة لإعادة الاعتبار لشاهدٍ صامت، كي يعود منارةً حضارية تجمع بين أصالة الماضي وطموح المستقبل. ولعلّ وعسى.