م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - السردية يمكن أن تكون حدثاً تاريخياً منقطعاً أو فكرة معاصرة لم تكتمل، ثم يتم تحويلها إلى آيديولوجيا المساس بها مساس بالدين والعقل والهوية! والمؤلم أن يحصل كل ذلك في المكان الخطأ أو الزمان الخطأ أو في الجماعة الخطأ.. ومن المؤسف أنه إذا حُبكت تلك السردية فيمكن مع المثابرة وجودة السبك أن تتحول إلى عقيدة راسخة متوارثة يجود الفرد والجموع بأرواحهم فداء لها.
2 - تلك السردية التي يمكن أن تكون متوهَّمة، حينما تتحول إلى عقيدة يرتبك حاضر الناس بسببها، ويتخبطون في تخطيط مستقبلهم وفق محدداتها، ويتلفون حياتهم ببناء واقعهم ضمن إطارها.. هنا يصبح الإنسان ضحية لتلك السردية التي صارت عقيدة، فيمسي عبداً لتاريخه عوضاً عن أن يكون سيداً لحاضره! عندها تصبح تكلفة حضور تلك السردية في حياته باهظة الثمن، يطغى فيها التاريخ على الحاضر، ويُسخِّر ذلك المسكين حاضره لخدمة ماضيه على حساب مستقبله، ويعيش أسيراً لتلك السردية طوال حياته.
3 - إذا تحولت السردية إلى عقيدة يصاب المجتمع بالشلل، ويفقد الوعي بحاضره والإدراك لحقيقة واقعه، وينعدم حسه بذاته.. هذه الحالة تجعل أفراد المجتمع يتخبطون دون بصر أو بصيرة.. فعيونهم غَشَتْها تلك السردية المتوهمة فلم يعودوا يرون إلا بذاكرتهم التي مُلئت بتعاليم مخترعة، أما حواسهم وعقولهم فقد تعطلت وتحتاج إلى جهود جبارة لإحيائها.
4 - حينما تتحكم سردية التاريخ بالإنسان تكون العاطفة هي القائد والموجه لآليات التفكير لديه، ويزاح العقل جانباً وكأنه وباء يجب الحماية منه أو تهمة يجب اتقاؤها، هنا يفتقد الإنسان القدرة على تخطيط حياته بعقلانية، وتسييرها بانضباط، وتتراجع أولويات حياته أمام السردية التاريخية التي آمن بها وأصبحت لديه محل العقيدة.
5 - خطورة السردية -أية سردية- أنها عندما تتحول إلى عقيدة تصبح أداة للبناء أو أداة للتدمير.. وأي مشروع نهضوي يستدعي أن يستفيد من السردية التي يجمع عليها الناس وتكون القاعدة التي يقوم عليها المشروع.. فبدونها إما أن يتم استثناء أفراد المجتمع من المشاركة في البناء، أو أن يتحولوا إلى أدوات تسير وتعمل بلا فهم ولا معرفة للاتجاه ولا محفز داخلي يدفعهم للمشاركة في بناء المشروع النهضوي.
6 - تكمن أهمية السردية في أنها تهيئ أفراد المجتمع لقبول العقل، وقبول الفائدة الآجلة، وقبول المصلحة العامة.. فالإنسان بطبعه ينفر من العقل ويميل إلى العاطفة، ويبحث عن الآني لا عن الآجل، ويرغب في المصلحة الشخصية لا العامة.. كما أن الإنسان إما أن يتحرك بدافع خارجي وهذا يستدعي الرقابة والحث والمتابعة، أو بدافع داخلي وهنا يصبح التحرك في الاتجاه الصحيح ذاتي الدفع لا يحتاج إلى كل ذلك.
7 - أما مشكلة السردية -أية سردية- فهي أنها يمكن أن تخلق عالماً خرافياً يعيش فيه أناس يبحثون عن الأجوبة الجاهزة، ويوكلون عقولهم إلى راوية أو سياسي يعيد في تلك السردية ويُزيد أو يُنْقص حسب مقتضى الحال.. والذين يسقطون ضحية له هم العامة البسطاء الذين يكدحون نهارهم كله، ويريدون من يفكر عنهم ويوجههم بشكل مريح لا يدعوهم للتفكير أو نقد ما يُقَدَّم لهم من أفكار.
8 - لا مشكلة في أن نرى السردية التاريخية بكونها رواية ووصفاً لأحداث، يتم دراستها والاتعاظ بأحداثها، لكن المشكلة الكبرى أن نراها قيمة يجب اتباعها والاقتداء بها كعقيدة.
9 - السردية واقع مُخترع يُقبل بلا وعي، بوصفه هوية الأمة.