خالد الأنصاري
مما تميز به شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ -حفظه الله- عنايته وحرصه الشديد على نشر العلم والدعوة إلى الله تعالى، وحث الدعاة وطلاب العلم على بذل الكلمة، وإسداء النصح والتوجيه، لجميع فئات المجتمع، بحكمة وعلم وفقه، ومن ذلك أيضاً عنايته برجال الأمن وتوجيههم، بتحصيل العلم، والقيام بالدعوة والتوعية، لتعزيز العقيدة الصحيحة في نفوسهم، وترسيخ قيم الولاء للدين والوطن، وتحصينهم ضد الأفكار المتطرفة، وربطهم بالوسطية والاعتدال في أكثر من مناسبة ومحاضرة وندوة ولقاء، وكان من آخر ذلك محاضرته القيمة، والتي ألقاها معاليه مؤخراً ضمن فعاليات «ملتقى الكتاب والسنة» المصاحب للمسابقة المحلية السابعة في حفظ القرآن الكريم للعسكريين بوزارة الدفاع والمنعقدة في مكة المكرمة بتاريخ 18 شوال 1447هـ.
وكانت هذه المحاضرة بعنوان «المنهجية في العمل التوعوي» وإليكم أبرز ما جاء فيها حيث استهلها شيخنا -حفظه الله- بأهمية الدعوة، وبشرح لمفردات عنوان المحاضرة، وذكر بأن الدعوة والتعليم قد جعل الله جلَّ وعلا لها منهجاً ؛ والتعليم هو أساس عمل الرسل، وإنّ الرسل جاؤوا ليعلموا الناس {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} وقال جلَّ وعلا لنبيه -صلى الله عليه وسلم- {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}. وقال جلَّ وعلا على لسان عيسى -عليه السلام- وهو في المهد {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}.
قال أهل العلم بالتفسير {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} هو طفل في المهد يعني: بما سيكون عليه في الرسالة.
والبركة: هي النفع الكثير {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} قالوا: بنشر العلم أينما كنت، يعني: العلم المتلقى عن الله جلَّ وعلا، فالعلم الذي هو أساس الدعوة.
و»التوعية»: كلمة إسلامية، ليست موجودة قبل الإسلام، في كلمات كثيرة في الشريعة إسلامية، كلمات كثيرة في اللغة إسلامية، يسميها ابن فارس في كتاب «الصاحبي» الأسباب الإسلامية، مثل الصلاة معناها: الثناء والدعاء، لكن في الإسلام ثناءٌ ودعاءٌ خاص بهذه الصلاة المعروفة، الزكاة معناها التطهير، لكن الزكاة صار لها كذا، الصيام معناه الإمساك، ثم صار على هذا النحو.
«الدعوة»: كانت دعوة إلى وليمة، إلى مناسبة، إلى زواج، ثم صارت «الدعوة» عنوان على شيء خاص في الإسلام، من ضمنها الألفاظ التي صار لها خصوصية في الإسلام .
التوعية: و«التوعية» أخذت من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «نضَّر الله امْرَأً سمِع مقالَتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع».
وعاها فأداها، يعني هو وعى، التأدية: هي «التوعية».
أداها تأديةً فوعاها توعية، فصارت «التوعية» لفظ إسلامي.
«المنهج»: هو الطريق، ولكل أحد منهج، قال الله جلَّ وعلا {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}.
شرعةً: شريعة، ومنهاجاً: سنة وطريق تمشون عليه، في أداء هذه الشريعة، وأداء ما أنزل الله جلَّ وعلا.
إذن «المنهاج» هو الطريق، ولا يبتدع، جعله الله جلَّ وعلا فلذلك يتبع ما جعله الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولصحابته رضوان الله عليهم، كما قال جلَّ وعلا في سورة يوسف {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} يعني: هذا منهجي {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
لابد أن يكون هناك «منهج» ثابت للتوعية، و«منهج» موروث، لأن الذين أثروا على الإنسان منذ فجر الرسالة ؛ أخذوا هذا «المنهج» وأثروا به، وصنعوا الرجال، وصنعوا الأسر، وصنعوا المجتمعات، وصنعوا الأبطال، وقامت الأمة قوية على المنهج منذ نشأتها إلى يومنا هذا.
معالم المنهجية في العمل التوعوي.
يتحدث شيخنا هنا عن «المنهج» وأبرز معالمه قائلاً: هذا المنهج له معالم عامة وله خصائص، وهذا المنهج - منهج التوعية ومنهج الوعي - له أسس يرجع إليها ؛ أعظم هذه الأسس والمعالم:
الاستدلال بالكتاب والسنة
المرجع العلمي، يعني المرجع الأساسي الذي يبنى عليه كل شيء، أن يكون الدليل من الكتاب والسنة، وتفقه العلماء في الكتاب والسنة.
في المئة سنة الأولى لا يوجد خلافات في فهم الكتاب والسنة، إلا فيما شذ عند طائفة الخوارج أو طائفة القدرية، والبقية على فهم الكتاب والسنة متقاربين، يعني: غالباً في اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد.
الاعتماد على الكتاب والسنة، يعني: الاعتماد على القرآن في الحجة، ماذا يعني؟ اعتماد معناه: أنك أنتَ في سيرك في التوعية الإسلامية، تحرص أنه في كل موضوع، تحفظ آية على الأقل - آية واحدة كافية في أي موضوع - إذا حفظت آيتين يكون أبلغ، حفظت ثلاث آيات يكون أبلغ في تأدية رسالة التوعية الإسلامية لمنسوبيكم.
وكذلك إذا حفظت أحاديث في الموضوع، يكون هذا أبلغ في التأثير، حتى يتحقق «المنهج» ما يكون الواحد يأتي بكلام من رأسه ومن فهمه، لأن المفهوم تتباين وتختلف، فالالتقاء - التقاء مسيرة التوعية - ما يصير فيه اختلاف بين منسوب للتوعية وآخر، أن يتقاربوا بالأخذ من منهج واحد، يعني: منهج الاستدلال، يكون استدلاله حافظ للكتاب والسنة.
وبالتجربة العملية في الدعوة: أكثر ما يؤثر على الناس الدليل -الكتاب والسنة- إذا ألقيا بنفس مؤمن، إذا ألقاه مؤمن بقلبه، وحققه بصوته، وقوى إرادته، في تأدية المعنى يؤثر على النفوس بقوة، أما إذا استدل استدلالاً كأنه يقرأ، بدون ما يكون معه تأثير فإنه لا يبلغ هذا التأثير المطلوب، لذلك جاء في وصف خطب النبي صلى الله عليه وسلم، التي يخطب فيها بين الصحابة، كأنه منذر جيش!، يقول: «صبحكم ومساكم».
النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المواعظ، ليس دائماً إذا وعظ كأنه منذر جيش! يقول: «صبحكم ومساكم» ليكون أبلغ في التأثير، وأقوى في بيان المعنى.
الحث على الاجتماع والبعد عن الاختلاف
أن نكون بعيدين عن الاختلاف ومع الاجتماع، لأن فهم الكتاب والسنة، وأداء الكتاب والسنة، يجب أن يكون عن طريقة من فهموه فهماً صحيحاً لا اختلاف فيه، وهم جمهور عامة علماء السلف الصالح - رضوان الله عليهم - من الصحابة الأجلاء، والتابعين الكبار، ومن تبعهم، ثم الأئمة الأربعة، ومن نحا نحوهم، وأئمة أهل الحديث الذين أخذوا هذا المنهج وبينوه، هذا منهج التلقي، عرفنا المصدر من أين نتلقى فهمه، فنفهمه عن طريق هؤلاء.
أن يكون هناك وضوح في أن رسالة الأنبياء جاءت بلسان، الأنبياء جاؤوا أقوامهم، ليسوا على نهج واحد في البيان - البيان يختلف - لذلك الله جلّ وعلا قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} يعني: إذن اللسان ليبين، يعني: مو ليسمعهم، {بِلِسَانِ قَوْمِهِ} مو ليبلغهم: ليبين، فإذن وظيفة اللسان: هي البيان، فإذن اللسان أعم من اللغة، وهذا الذي يقوله أهل العلم، أن كل نبي أرسل بلسان قومه، يعني: بما يصلح لهم من البيان الذي يناسب تفكيرهم، ويناسب عقليتهم، ويناسب وضعهم.
من هذا انطلق العلماء إلى أن التوعية والدعوة، لابد أن يراعي فيها اللسان الذي ينتفع به، هذا يشمل اللغة، ويشمل طريقة الأداء، ويشمل التبسيط، وتسهيل الدعوة، وتسهيل الموعظة، أو تقوية الموعظة، أو تمتينها، بحسب المخاطب، ولذلك أنت تنظر لمستوى الحاضرين؛ مستوى الحاضرين عامة الجنود، عامة الناس يعني: الناس البسيطين، لهم لغة، ولهم طريقة في التأثير، إذا صاروا متعلمين وضباط لهم طريقة أخرى، مستوى محتوى الموجود، في أصول واضحة عند الجميع، بس طريقة الأداء، طريقة اللسان، طريقة التبليغ، طريقة التأثير هذه لابد أن تكون بحسب كل حال، لذلك قال الله جلّ وعلا: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} يعني: ليشرح لهم ويوضح حتى تقبل الرسالة الدعوية والتوعية لهم.
البيان يختلف بحسب الحال، يختلف بحسب الأولويات، يختلف بحسب المقام، فمرات نتكلم عن أشياء ونركز عليها ؛ قد ما نركز عليها في وقت آخر، لكن هو مقتضى الحال يقتضي أن نختار ما يتمثل فيه البيان، الذي أمر الله جلّ وعلا به.
فقوله {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} هو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، ويختلف باختلاف الناس، فلغتنا مثلاً في مجال ليست لغتنا في مجال آخر، اللغة التي نقولها في المسجد في تبليغ العلم، ليست هي التي نقولها - هو نفسه العلم - لكن ليست هي اللغة التي نقولها مع المرابطين، تختلف هذه شيء، وهذه شيء، لأن المقصود هو إيصال الحق، وإيصال البيان للنفوس.
وتأتي هذه المحاضرة من شيخنا - حفظه الله وسدد على طريق الحق والخير خطاه - وغيرها من اللقاءات في مجال الدعوة إلى الله تعالى ؛ تحفيزاً وتعليماً لجنودنا البواسل، الساهرون لأجل راحتنا واستقرارنا، لتحقيق الأمن والطمأنينة، ونسأل الله عز وجل أن يحفظ قيادتنا وشعبنا، ويعزز أمن هذا الوطن الغالي الذي نعتز به جميعًا.