د.شريف بن محمد الأتربي
على مدار أكثر من 35 عاماً في العمل، لازلت أسأل نفسي، ومن حولي نفس السؤال: ماذا يريد الموظف؟ وغالباً ما تكون الإجابات منصبة حول التقدير المادي للموظف بحيث تنعكس راحته المادية مع أريحيته للعمل والإنجاز، وقليلون من كانت إجاباتهم أن التقدير الذاتي، حيث يرى الكثيرون أن المادة هي مفتاح التألق، والإبداع.
لكن الحقيقة، وبعد عقود من الممارسة والملاحظة، أكثر تعقيدًا من هذا الطرح المبسط. فالموظف كائن إنساني متعدد الأبعاد، تحركه دوافع مادية ونفسية واجتماعية ومهنية، تتداخل فيما بينها لتشكل منظومة متكاملة من الاحتياجات. اختزال هذه المنظومة في الراتب وحده، يشبه النظر إلى جبل الجليد من زاويته الظاهرة فقط، متجاهلين الكتلة الأكبر المغمورة تحت السطح.
أول ما يريده الموظف بالفعل هو الأمان الوظيفي. فالشعور بالاستقرار لا يقل أهمية عن مستوى الراتب، بل قد يتفوق عليه في بعض المراحل. الموظف الذي يعيش في قلق دائم بشأن مستقبله الوظيفي، يصعب أن يبدع أو يلتزم على المدى الطويل، مهما كانت الحوافز المالية مغرية. الأمان هنا لا يعني الجمود، بل وضوح الرؤية والعدالة في القرارات.
ثانيًا، يأتي التقدير، وهو مفهوم أوسع بكثير من المكافآت المالية. التقدير الحقيقي يتمثل في الاعتراف بالجهد، والثناء الصادق، وإشراك الموظف في النجاحات. كلمة شكر في وقتها قد تترك أثرًا يفوق زيادة مالية مؤجلة. الإنسان بطبيعته يسعى لأن يكون مرئيًا ومسموعًا ومُقدَّرًا، وهذه الحاجة النفسية تشكل أحد أقوى دوافع العطاء.
ثالثًا، يبحث الموظف عن المعنى. لم يعد العمل مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل أصبح لدى كثيرين مساحة لتحقيق الذات والشعور بالقيمة. الموظف يريد أن يفهم لماذا يقوم بما يقوم به، وكيف يساهم عمله في صورة أكبر. حين يرتبط العمل بهدف، يتحول الأداء من واجب إلى شغف.
رابعًا، لا يمكن إغفال فرص النمو والتطور. الموظف الذي يشعر بأنه عالق في مكانه، دون تعلم أو تقدم، يفقد تدريجيًا دافعيته. التدريب، والترقية، وتوسيع الصلاحيات، كلها إشارات على أن المؤسسة تستثمر في إنسانها، لا في إنتاجه فقط. وهذا الاستثمار غالبًا ما يُقابل بولاء طويل الأمد.
خامسًا، تأتي بيئة العمل، بما تحمله من ثقافة وعلاقات. الموظف لا يعمل في فراغ، بل داخل منظومة بشرية تؤثر فيه يوميًا. الاحترام المتبادل، والقيادة العادلة، والتواصل الفعّال، كلها عناصر تصنع بيئة جاذبة. وعلى النقيض، قد تدفع بيئة سامة أفضل الكفاءات إلى الرحيل، مهما كانت الرواتب مرتفعة.
سادسًا، يريد الموظف التوازن بين العمل والحياة. فمع تسارع وتيرة الحياة، أصبح الحفاظ على الصحة النفسية والجسدية أولوية. المؤسسات التي تدرك ذلك وتوفر مرونة في العمل، تحصد في المقابل إنتاجية أعلى ورضا أكبر.
ورغم كل ما سبق، لا يمكن التقليل من أهمية العائد المادي، فهو بلا شك عنصر أساسي. لكن الإشكالية تكمن في اعتباره العامل الوحيد أو الأهم دائمًا. المال قد يجذب الموظف، لكنه لا يضمن بقاءه، ولا يصنع ولاءه. ما يصنع ذلك هو مزيج متوازن من العوامل التي تلبي احتياجاته المختلفة.
في النهاية، يمكن القول إن السؤال «ماذا يريد الموظف؟» لا يملك إجابة واحدة ثابتة، بل هو سؤال متجدد، تختلف إجابته باختلاف الأشخاص والمراحل والظروف. لكن المؤكد أن المؤسسات الناجحة هي تلك التي تنظر إلى الموظف كإنسان كامل، لا كرقم في كشوف الرواتب، وتبني استراتيجياتها على فهم عميق لهذا الإنسان.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحول الموظف من مجرد منفذ للمهام إلى شريك في النجاح، ومن باحث عن وظيفة إلى صانع قيمة حقيقية.