د.عيد بن حجيج الفايدي
الجامعة -في أي مكان جغرافي أو تاريخي- ليست مجرد مؤسسة تعليمية؛ فهي مركز عميق وشامل لكل صنوف المعرفة مع صياغة الوعي الجمعي، وتنشئة الأجيال وتوجيه مسارات التقدم. لا تُختزل وظيفتها في تخريج أفراد لسوق العمل، بل تمتد إلى بناء إنسان قادر على الفهم والنقد والابتكار والإبداع.
وعند تتبع الجذور التاريخية، يظهر أن نماذج مثل جامعة القرويين، وجامعة الأزهر، وجامعة الزيتونة أسست مبكرًا لفكرة الجامعة كميدان مفتوح لتداول المعرفة، وهو ما انعكس لاحقًا في نشأة مؤسسات أوروبية مثل جامعة بولونيا وجامعة أكسفورد، حيث انتقل النموذج من فضاء حضاري مرن إلى منظومة مؤسسية حديثة. انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية وتجاوز عدد الجامعات أكثر من خمسة آلاف جامعة وانتشرت في كل القارات وسجلت أكثر من (35) ألف جامعة.
ومع التحولات المعاصرة، لم تعد الجامعة مجرد كيان معرفي، بل أصبحت أيضًا فاعلاً اقتصاديًا ضمن منظومة تنافسية عالمية؛ الأمر الذي أوجد حاجة متزايدة لأدوات تقيس الفروق بين المؤسسات وتُبسّطها للجمهور.
في هذا السياق، ظهرت مؤخرا التصنيفات الجامعية بوصفها أدوات إرشادية، بدءًا من مبادرات إعلامية مثل U.S. News الجزيرة World Report، وصولاً إلى نماذج عالمية مثل تصنيف شنغهاي وQS World University Rankings. وقد وفّرت هذه التصنيفات إطارًا مقارنًا مفيدًا، لكنها مع الوقت تحولت إلى قوة توجيه غير مباشرة وقاموا بدور الحكم والمدرب في نفس الوقت -تجار شنطة- أثّرت في قرارات الجامعات؛ فباتت بعض المؤسسات تُعيد ترتيب أولوياتها بما يتوافق مع معايير التصنيف، لا بالضرورة مع رسالتها المعرفية والمجتمعية. غير أن اختزال هذه التصنيفات في كونها مجرد أدوات ربحية يتجاهل تعقيدها، كما أن التعامل معها كمرجعية مطلقة يقود إلى قصر الأداء العلمي والمعرفي واختزال قيمة الجامعة في موقع رقمي. ومع بروز الذكاء الاصطناعي، دخلت منظومة التقييم الأكاديمي مرحلة أكثر عمقًا، حيث أعاد هذا التحول طرح سؤال جوهري: ما الذي ينبغي قياسه فعلاً؟ فقد أضعفت تقنيات التوليد والتحليل الحديثة من قيمة المؤشرات الكمية البسيطة، إذ لم يعد عدد الأبحاث أو حجم النشر كافيًا للحكم على جودة المعرفة. وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة قادرة على تحليل الأثر الحقيقي للبحث العلمي، وكشف أنماط التكرار أو الإنتاج غير الأصيل، وتتبع تأثير الخريجين في مجتمعاتهم، بل وتقييم جودة التجربة التعليمية من خلال تحليل تفاعل الطلاب ونتائج التعلم. هذا التحول ينقل التصنيف من نموذج جامد يعتمد على مؤشرات ثابتة إلى نظام متحرك متعدد الأبعاد، أكثر قربًا وفاعلية من جوهر العملية التعليمية.
وهنا يبدأ الدور التقليدي لشركات التصنيف في التراجع النسبي، ليس لأنها ستختفي، بل لأنها تفقد تدريجيًا احتكارها للأدوات والمنهجيات. فمع توفر البيانات المفتوحة وتطور تقنيات التحليل، أصبحت الجامعات والحكومات قادرة على بناء نماذج تقييم مستقلة وأكثر شفافية، مما يقلل الحاجة إلى الخدمات الاستشارية المدفوعة، وملفات البيانات الجاهزة للبيع ويحد من تضارب الأدوار بين التقييم والتوجيه. كما يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانية فحص المنهجيات وكشف التحيزات، وهو ما يعزز المساءلة ويعيد التوازن إلى المشهد.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يخلو من تحديات، إذ قد تظهر أشكال جديدة من التحيز الرقمي أو التلاعب التقني، مما يستدعي أطر حوكمة أخلاقية تضمن أن تظل أدوات القياس في خدمة المعرفة لا بديلاً عنها.
وفي هذا الإطار، يكتسب الاعتماد الأكاديمي أهمية متجددة بوصفه الضامن الحقيقي لجوهر العملية التعليمية، إذ يركز على جودة البرامج، وكفاءة التدريس، والبنية المؤسسية بدلاً من الترتيب التنافسي. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يتحول الاعتماد من عملية دورية محدودة إلى منظومة تقييم مستمرة تعتمد على البيانات الحية، بما يعزز دقة الحكم ويقلل الفجوة بين الواقع والتقارير الرسمية.
كما يبرز هنا دور الهيئات الإقليمية والوطنية في بناء مرجعيات أكثر اتساقًا مع الخصوصيات الثقافية والتنموية، مثل مكتب التربية العربي لدول الخليج، إلى جانب هيئات الاعتماد الوطنية في الدول العربية، التي يمكنها – بدعم من أدوات الذكاء الاصطناعي – تطوير نماذج تقييم تعكس احتياجات المجتمعات المحلية وأولوياتها الإستراتيجية، بدلاً من الاكتفاء باستيراد معايير جاهزة.
إن المستقبل -إن شاء الله تعالى- لا يتجه نحو إلغاء التصنيفات، بل نحو إعادة تعريف دورها ضمن منظومة أوسع تقودها المعرفة لا السوق. وفي هذا التوازن، تتكامل أدوار الذكاء الاصطناعي، وهيئات الاعتماد، والهيئات الإقليمية لتأسيس نموذج أكثر عدالة وعمقًا، يعيد للجامعة مكانتها كمشروع حضاري يصنع الأثر الحقيقي، لا مجرد كيان يسعى إلى تحسين موقعه في جداول رقمية عابرة مسبقة الدفع.