خالد بن عبدالرحمن الذييب
هناك روايات قرأتها في حياتي ولا تزال تشكل شيئاً عميقاً في ذهني، تسللت إلى وجداني وتركت أثراً لا يُمحى؛ ومنها «ذهب مع الريح» لمرغريت ميتشل، و«كوخ العم توم» لهيريت بيتشر ستو، و«قواعد العشق الأربعون» لإليف شافاك. ولعل القاسم المشترك ذلك الحضور الطاغي للعنصر النسائي كقوة محركة للأحداث ومجسدة لأعقد الصراعات البشرية.
ومن جهة أخرى، فإن رواية «لا أنام» لإحسان عبد القدوس، تبرز بطلتها «نادية» كنموذج إنساني مذهل في تقلباته؛ فهي تلك الشخصية المضطربة التي تختبئ خلف وجه ملائكي بينما يغلي داخلها حقد لا تستطيع كبح جماحه، وكأن «الخير هو وجهها الظاهر، بينما الشر هو حالها القاهر». هذا التناقض الصارخ يجعل القارئ في حالة ارتباك عاطفي تجاهها، مما يثبت أن الرواية هي الفن الأقدر على تشريح تلك المناطق الرمادية في النفس البشرية التي تتطلب حساسية مفرطة تجاه التفاصيل الدقيقة والمشاعر العميقة.
وهنا تُطرح فكرة أن الرواية، فن نسائي حتى وإن أبدع فيه الرجال؛ حيث يشير التاريخ بإن من أوائل الروايات في التاريخ، ويعتبرها البعض الرواية الأولى بمفهومها الفني الحديث كانت «حكاية جينجي» ولدت في القرن الحادي عشر على يد موراساكي شيكيبو، إحدى سيدات البلاط الإمبراطوري الياباني. لقد نشأ هذا الفن بين المحظيات اللواتي فرضت عليهن القيود الاجتماعية عزلة مكانية، فكن يقضين أوقاتهن في نسج حكايات خيالية وتبادلها، ليتحول «الحكي» لديهن إلى أداة لامتلاك العالم. ويمتد تأييد هذه الفكرة إلى واقع القراءة؛ إذ تشير الإحصاءات العالمية إلى أن النساء يمثلن القوة الضاربة في هذا الفن، بنسبة تصل إلى 60 % من جمهور الرواية ومقتنيها. لقد استطاعت مؤلفات الروايات أعلاه الغوص في أعماق المشكلات الإنسانية من زوايا نفسية حادة، كما فعلت مؤلفة «كوخ العم توم» حين كانت روايتها أحد شرارات حرب التحرير، أو إليف شافاك التي جعلتني أسابق الزمن لإكمال «قواعد العشق الأربعون».
إن الرواية تتطلب صبراً على التفاصيل وقدرة على رصد خلجات الروح، وهي سمات تتسق تماماً مع التكوين العاطفي للمرأة، مما يجعلنا نقول بكثير من الثقة إن الرواية هي الفن الذي حطم جدران الصمت، وحول المشاعر من عوارض عابرة إلى كيانات مكتوبة تعيش للأبد، مؤكدة أنها ابنة العزلة بامتياز، واللغة التي تفهم أدق تفاصيل الوجدان.
أخيراً ...
الرواية ذاكرة العاطفة الإنسانية التي أبت أن تندثر، كتبتها الأرواح التي انتصرت لآلامها وأحلامها في ساحات الشعور.
ما بعد أخيراً ...
كاتب الرواية لا يوثق الأحداث، بل يؤرشف النبض، ويكتب المشاعر، ويحرك الأحاسيس
إذا فهمت هذا.. فأنت ولاشك دخلت مملكة المرأة.