صالح الشادي
ليس الخذلان حدثًا طارئًا في حياتنا، بل هو جزء طبيعي من التجربة الإنسانية التي لا تكتمل دون أن نجرع مرارتها. كلنا خُذلنا، وكلنا خذلنا من قبلُ، والفرق الوحيد أن البعض يتعلم من هذه المعادلة القاسية فيصبح أكثر حكمة وأقل سذاجة، بينما يظل الآخر أسيرا وهم الصديق المثالي الذي لا يخطئ ولا يتغير ولا يشغله عنه شيء.
كثيرًا ما أسأل نفسي: هل الأصدقاء حقًا هم زملاء العمل؟ إن زملاء العمل تجمعهم مصلحة المؤسسة وهدف واحد يسعون إليه معًا، أما الصداقة الحقيقية فتجمعها مصلحة الروح. يمكن أن يتحول الأول إلى الثاني في بعض الأحيان، لكن الخلط بينهما منذ البداية هو بداية كل خيبة أمل. حين تترك العمل سترى بوضوح من كان صديقًا حقيقيًا ومن كان مجرد زميل عابر. وربما الأهم أن نتساءل: لماذا يتغير الأصدقاء؟ إن الأسباب أربعة لا تخرج عنها العلاقات الإنسانية: تزايد الانشغال بمرور الوقت، وهذه حقيقة وجودية قاسية، فالمسؤوليات تكبر والطاقة تضمر وليس في الأمر هجران بقدر ما هو انشغال حقيقي. ثم ذبول الشغف، فالشباب يمتلك طاقة عاطفية هائلة يصرفها في العلاقات، لكن مع العمر تتجه تلك الطاقة نحو الأبناء والشريك والعمل أو نحو العزلة الطوعية التي يختارها المرء برغبته. كما أن اكتشاف عدم التوافق يلعب دورًا كبيرًا، ففي زمن الشباب نتصاحب على أقل الأسباب: نفس الحي، نفس الجامعة، نفس الهواية، لكن مع النضج تتبلور القيم وتنكشف الفروقات الجوهرية التي كانت مخفية. وأخيرًا المصالح، وهي ليست شرًا مطلقًا كما يظن البعض، فالمصالح المشروعة تربط الناس والمصالح الضيقة تفرقهم، والمشكلة كل المشكلة حين يظن أحد الطرفين أن العلاقة مقدسة ويتعامل مع الآخر بميزان الربح والخسارة وحده.
وماذا نعني بالوفاء في ظل كل هذه التحولات؟ الوفاء ليس أن تكون حاضرًا كل يوم، بل أن تكون صادقًا حين تكون حاضرًا. الوفاء أن تظل للشخص لا للدور الذي يؤديه، وهو ألا يغيب قلبك حين يغيب جسدك، وألا تستغل غياب صديقك لتبرر جفوته. كثير من الناس يخذلون لأنهم كانوا أوفياء لفكرة الصداقة لا لشخص الصديق، فعندما يختلف الصديق عن تلك الفكرة المثالية يشعرون بخيبة أمل ثم يتخلون عنه بكل برود. لكن لماذا يقل عدد الأصدقاء مع تقدم العمر؟ لأن الفرز الطبيعي يحدث ولا مفر منه. في الشباب نكون سباحين في بحر مزدحم، ومع الوقت تنحسر المياه ولا يبقى إلا من يستحق أن يسبح بجانبك. ليس هذا فشلًا في العلاقات بل هو ذكاء عاطفي نادر. إنه انخفاض الطاقة الاجتماعية مع زيادة معايير الاختيار، وتجارب مؤلمة تعلّمنا الحذر، وانشغال الحياة الذي لا يترك مساحة كبيرة للعلاقات السطحية. لكن السؤال الأعمق: هل الأصدقاء القلائل أسوأ من الأصدقاء الكثيرين؟ الجواب يعتمد على نقاء هؤلاء القلائل وصفاء سريرتهم.
أظن أن اعترافنا بأنفسنا بأننا مثلهم نتبع مصالحنا أحيانًا هو بداية الشفاء. الإنسان كائن مصلحي بطبعه، لكن المصلحة أوسع مما نظن، فقد تكون مادية وقد تكون عاطفية كالحاجة إلى الدعم، وقد تكون معنوية كالاحترام والمكانة. حتى أكثر الناس إيثارًا يبحث عن مصلحة ما: أجر الضمير، راحة البال، أو الأجر الأخروي. والاعتراف بهذه الحقيقة البسيطة يحررنا من خيبة الأمل التي لا تنتهي. نعم أنت تتبع مصلحتك كما يتبعون مصلحتهم، والنفيس من الناس فقط هو من تتسع مصلحته لتشمل غيره دون أن يضيع نفسه. لماذا إذن نسمع شكاوى الجميع عن خذلان المقربين؟ لأن العلاقات الوثيقة تحمل أعلى احتمالات الخذلان، فلا يمكن لشخص غريب أن يخونك لأنه أصلاً لا يملك ثقتك. القريب وحده هو من يملك القدرة على إيذائك بعمق.
والمفارقة العجيبة أن المشتكي في أغلب الأحيان كان هو نفسه مقصرًا في مكان ما، ليس دائمًا لكن غالبًا، ونادرًا ما يرى الإنسان عيبه بينما هو بارع في رؤية عيوب الآخرين.
هناك أمور لا تحل بالعتاب مهما كان نبيلًا، فالعتاب رائع بين المتكافئين لكنه كارثة بين غير المتكافئين. إن جافاك إنسان بلا سبب واضح أو تحاشاك بلا مقدمات فتأكد تمامًا أنك لن تجبره على الود بكل العتاب في الدنيا. حينها الأفضل أن تمر كما تمر السحابة لا تسأل لماذا هطلت هنا وجفت هناك. أتذكر جيدًا ما قاله الحكماء والأدباء على مر العصور: ليس هذا الجيل أول من اشتكى خيانة الأصدقاء، ولن يكون الأخير. الأدباء والشعراء تغنوا بهذه المعاني، كانت العاطفة وعدم التعمق في سيكولوجية البشر سبب الألم والصدمة، وهذا الأمر لا ينطبق على الأفراد فقط بل على الجماعات وحتى الدول. إنه قانون كوني: عندما تصبح مسؤولًا أو صاحب منصب، ثم تترجل بطبيعة الحال سينفض عنك أغلب من حولك ولن تجد منهم اتصالًا إلا لمن يريد شيئًا. ليس الناس سيئين بالضرورة، هم فقط يتكيفون مع الوضع الجديد.
لذلك أقول لك ولنفسي قبل كل شيء: لا تثقل على صديقك بالطلبات ولا تحرجه بخدمة لا يستطيع تقديمها، فقد يتحاشاك البعض حياءً لا بخلاً. اجعل صحبتك خفيفة كالنسيم لا ثقيلة كالطوفان. من أرادك جاءك رغم البحار ومن جفاك فلا تتبعه إلى البر. لا تناقش كثيرًا ولا تحلل كل هجر، فبعض الأمور لا تفسير لها وبعض القلوب لا يفتح قفلها بالمفاتيح التي تملكها. اعترف أنك ضعيف مثلهم وأن احتياجك للآخرين ليس وصمة عار، أحسن الظن لكن لا تستسلم للسذاجة. تذكر دائمًا أن الهجران والتواصل كلاهما مرحلي، وأن البشر كالدوائر تتقاطع فترة ثم تتباعد. لا تعتب يا صديقي على من لم يعد، فالأصدقاء الحقيقيون ليسوا كثرة، لكنهم إذا وُجدوا فإنهم للعمر كله. والباقي ليس إلا دروسًا عابرة تجعلنا أكثر حكمة وأقل سذاجة وأجمل روحًا.
تحية أخيرة لكل من جمعهم الحب بالله فلم يطلبوا جزاءً ولا شكورًا، تحية لمن لم ينافق ولم يستغل فظل صوته واحدًا في العلن والسر، تحية لمن يقرأ هذه الكلمات في لحظة وجع فيعلم أنه ليس وحيدًا في خيبته، وأخيرًا تحية للأنقياء الذين تظل قلوبهم بيضاء وإن تغير كل شيء من حولهم.