إبراهيم بن يوسف المالك
عندما تمضي سنوات طويلة على أي نظام رقمي سيادي، لا يعود مقبولًا التعامل معه بوصفه “مشروعًا في طور الإنشاء”. فالأنظمة التي تجاوزت عقدًا من التشغيل، أو قاربت ذلك، يجب أن تُقيَّم بمنطق النضج المؤسسي لا بمنطق التجربة والتدرّج. وفي عام 2026، ومع ما حققته المملكة من قفزات نوعية في التحول الرقمي، يصبح من المشروع -بل من الواجب- التوقف عند التفاصيل التي لم تعد تواكب هذا النضج، خصوصًا تلك التي تمس حياة الأسر وتفاعلها اليومي مع الخدمات الحكومية.
إحدى هذه التفاصيل تتمثل في نموذج الوصاية الرقمية على القاصرين. فعلى الرغم من أن القاصر يُعد قانونيًا تحت وصاية ولي أمره، إلا أن بعض النماذج الرقمية الحالية تتعامل معه عمليًا كـ “مستخدم مستقل مقيّد”، لا كـ “هوية رقمية تُدار بوصاية كاملة”. والفرق بين النموذجين جوهري، ليس فقط من حيث التقنية، بل من حيث الحوكمة والمنطق الإداري.
يتجلّى هذا الخلل عندما يُطلب من ولي الأمر إنشاء حسابات مستقلة للأبناء القاصرين، مع أرقام جوال منفصلة، واستقبال رموز تحقق لكل ابن على حدة، حتى عند تنفيذ خدمات تعليمية أو تسجيلية بحتة لا يترتب عليها أي التزام مالي أو قانوني. النتيجة هي عبء إداري غير مبرر يُلقى على الأسرة، ويتعارض مع جوهر التحول الرقمي الذي يفترض أن يُبسّط لا أن يُعقّد.
الأكثر إشكالًا أن هذا النموذج لا ينسجم مع الواقع العمري للأطفال. فطفل في عمر 11 أو 12 عامًا لا يمتلك الأهلية المعرفية أو القانونية لإدارة هوية رقمية مستقلة، ولا يُعقل أن تُنقل مفاتيح الوصول السيادي للخدمات الحكومية إلى هوية يفترض أن تكون خارج دائرة القرار. قبل سن 18، المنطق السليم واضح: الهوية موجودة، لكن القرار بيد ولي الأمر بالكامل. بعد ذلك فقط يبدأ الاستقلال.
من الناحية الدولية، لا توجد معايير تُلزم بهذا التعقيد. على العكس، تعتمد أغلب النماذج المتقدمة مبدأ الوصاية الرقمية الكاملة، حيث تكون للقاصر هوية رقمية مستقلة اسميًا، لكنها تُدار بالكامل عبر ولي الأمر من خلال صلاحيات واضحة، وسجل تدقيق يبيّن أن الإجراء نُفّذ “نيابة عنه”، لا “باسمه الشخصي”. هذا النموذج يحقق الحماية دون أن ينقل عبء الإدارة إلى الطفل أو يرهق الأسرة.
المشكلة هنا ليست في حماية القاصر، فالحماية مطلوبة، بل في طريقة تطبيقها. فالفصل الكامل بين ولي الأمر وهوية القاصر لا يحمي الطفل بقدر ما يدفع الأسر إلى حلول ملتوية، كاستخدام أرقام مشتركة أو بديلة، وهو ما يخلق مخاطر أكبر من نموذج وصاية واضح ومنضبط.
الأهم من ذلك أن هذه الأنظمة ليست جديدة. بعض المنصات الحكومية مضى على إطلاقها أكثر من عقد، وأخرى تجاوزت ست سنوات من التشغيل الفعلي. في هذه المرحلة، لا يمكن توصيف الإشكاليات المتكررة على أنها “مرحلة تأسيس”، بل هي مؤشرات على حاجة لمراجعة تصميمية وتنظيمية تواكب نضج النظام وتطوره.
الخلاصة أن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من القيود، بل إلى نموذج وصاية رقمية ذكي يحقق ثلاثة أهداف متوازنة: حماية القاصر، وتمكين ولي الأمر كاملًا حتى سن 18، وتبسيط رحلة المستخدم بدل تعقيدها. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد الخدمات، بل بمدى انسجامها مع حياة الناس.
وربما آن الأوان لإعادة النظر في هذا الملف… بوصفه فرصة تحسين، لا موضع دفاع.
- طرحٌ مهني للنقاش والتحسين ضمن مسار نضج التحول الرقمي.