محمد بن عبدالله العجلان
كان أخي عبدالعزيز حكاية صبرٍ لا تُروى بالكلمات بقدر ما تُستشعر بالقلوب. في ريعان شبابه، عند عتبة الثامنة عشرة، حيث الأحلام تتفتح كأزهار الربيع، جاء ذلك الحادث كريحٍ عاتية اقتلعت مسار حياته، وألقته على سريرٍ امتد به العمر اثنين وثلاثين عامًا. لم تكن تلك السنوات مجرد أرقام تُعدّ، بل كانت امتحانًا يوميًا لمعنى الإنسان حين يُسلب منه كل شيء إلا الإيمان. جسدٌ ساكن، وصوتٌ غائب، وحياةٌ تُدار بأنبوبٍ يُدخِل الغذاء كما تُدخِل الأقدار صبرها في النفوس المختارة. لم يكن يستطيع أن يعبّر، لكن روحه كانت أبلغ من كل كلام، تُحدّث من حوله بلغةٍ لا تُسمع، بل تُحس. في صمته، كان هناك ضجيجٌ من الرضا، وفي سكونه، كانت تقيم معاني الثبات، لم يكن مجرد مريضٍ طريح فراش، بل كان درسًا حيًا في الصبر، وآيةً تمشي على أرض الابتلاء. من رآه، أدرك أن القوة ليست في الحركة، ولا في الصوت، بل في القدرة على التحمّل حين تغيب كل الوسائل. اثنان وثلاثون عامًا، مرّت عليه كأنها عمرٌ من الصبر الخالص، صبرٌ لا شكوى فيه، ولا تبرّم، ولا سؤال «لماذا أنا؟». وكأن روحه كانت تسير في طريقٍ آخر، طريقٍ لا يُقاس بمقاييس البشر، بل بموازين السماء.
عبدالعزيز لم يكن فقط أخًا، بل كان مرآةً يرى فيها من حوله حقيقة الدنيا؛ هشاشتها، وسرعتها، وأن الصحة نعمةٌ قد تُسلب في لحظة، لكنه في المقابل، كان يزرع في القلوب يقينًا أن ما يبقى هو الرضا، وأن الصبر ليس خيارًا، بل مقامٌ عظيم لا يُبلغه إلا من اصطفاه الله. رحل أو بقي، فقصته لا تنتهي، لأنه لم يعش عمره على الفراش، بل ارتقى به، حتى صار رمزًا يُروى، وذكرى تُلهِم، ودعاءً لا ينقطع. رحم الله صبره، وجعل ما عاشه رفعةً له في الدرجات، وجمعه بمن يحب في دارٍ لا ألم فيها ولا فراق.