د. محمد بن إبراهيم الملحم
قرار جامعة الملك سعود لإيقاف القبول للبكالوريوس في بعض التخصصات الأدبية والإنسانية يقف هنا مثالا عايشناه مؤخرا، وهو قرار لا يمكننا مبدئيا أن نصفه بالخطأ المحض أول ما ظهر ولا يجوز لنا ذلك كمراقبين من الخارج فهذه مؤسسة كبيرة لها سياساتها وعليها واجباتها ومن حقها أن يحدث فيها نوع من التحول. Transformation. وعندما يحدث تحول فإن قبوله يكون صعبا خاصة عندما يكسر هذا التحول شيئا مألوفا لسنوات طويلة، وفي الواقع أول ما ظهر الخبر كان هناك من يقول إن لدى الجامعة سياسة في تحويل هذه التخصصات من بكالوريوس إلى دراسات عليا والتركيز على البحث العلمي وقد أعجبني هذا الرأي جدا ولكني بحثت عما يمكن أن يعضده من تصريحات الجامعة فلم اجد شيئا، ثم جاء بعد ذلك توضيح الجامعة والذي أيضا لم يتناول هذا الجانب تماما مما جعل الحديث بين من تناولوا الموضوع يسير في نفس السياق وهو ربط القرار بسوق العمل ونقد فكرة أن الدراسة تكون فقط من أجل العمل وهو نقد قابل للنقد أيضا والمناقشة العميقة فما ينطبق على جامعات أوروبا أو أمريكا أو أستراليا في حق التخصصات الأدبية والإنسانية من حيث كونها رافدا من الروافد الاجتماعية وتقدم الفكر الإنساني في تلك الدول فهو ليس بالضرورة قابلا أن ينطبق لدينا ذلك أن معادلات غايات التعليم الجامعي في الوعي المجتمعي السعودي بل والعربي كله تختلف عنها في تلك المجتمعات، وهذه كلمة بين القوسين فلست بصدد الحديث عن قرار جامعة الملك سعود في حد ذاته وإنما عن الممارسة الإدارية حول هذا القرار وخاصة بعد نوع من التراجع عن القرار تمثل في فتح القبول بهذه التخصصات مرة أخرى، الأمر الذي جعلني أعيد النظر في الأمر واتساءل لماذا يا جامعة الملك سعود؟ لماذا لم يكن هناك توضيح كاف للقرار؟ ولماذا يتم التراجع عن القرار؟ أليس هذا ينبئنا أن صناعة هذا القرار كان فيها مشكلة.. وهو ما يوضحه لنا عدم وجود رؤية حول التحول من خدمة مرحلة البكالوريوس إلى خدمة البحث العلمي والارتقاء به كما سمعت من بعض الأشخاص، وكذلك عدم وجود رؤية لتبعات القرار وتخيل سيناريو ما يمكن أن يحدث بعد أن يصدر القرار الصادم نوعا ما وكيف يمكن للجامعة أن تصمد أمام هذا السيناريو، وإن عدم القدرة على استحضار هذا الموقف بشكل كامل وجيد من جامعة وطنية تعرف المجتمع تماما وتدرك كل جوانب التأثر والتأثير فيه يقول لنا إن صناعة القرار كانت ضعيفة مع الأسف وهو ما دلليه لاحقا هذان المظهران: ضعف الحجة في البيان الذي ظهر، ثم التراجع الخجول عن القرار. وهذه الحالة في المدرسة الإدارية السعودية هي مجال حديثي هنا حيث أراها بحاجة الى دراسة علمية تكشف جوانبها وإشكالاتها في مؤسساتنا، فأمامنا أمثلة متعددة في أكثر من مؤسسة وليست قاصرة على حالة جامعة الملك سعود التي شغلت الإعلام مؤخرا، فقد رأيناها مثلا في وزارة التعليم عندما تراجعت عن تسمية «قائد المدرسة» ليصبح مرة أخرى كما كان سابقا «مدير المدرسة» ثم تراجعت أيضا مؤخرا عن تسمية «المرشد الطلابي» ليعود كما كان سابقا «الموجه الطلابي» وهناك تراجعات أخرى ليس الهدف استحضارها جميعا وموجودة بمختلف القطاعات، وهي ليست تراجعات بفواصل زمنية كبيرة جدا بل خلال أقل من خمس سنوات يتم التراجع عن قرارات كان لها تأثير كبير جدا على سوق العمل أو على العمل التجاري (وبالتالي على الاقتصاد الوطني) ومن الأمثلة البارزة التراجع عن المقابل المالي للمؤسسات ضئيلة الحجم والتي لا يتعدى عدد عمالها أربعة، وهو أمر كان يمكن استيعاب أثره السلبي المستقبلي قبل أن يصدر القرار الأول الشامل للجميع، وكان يمكن حينها منع الضرر الذي حدث لكثير من صغار التجار نتيجة «تجربة القرار».
من أفضل وسائل فلترة القرارات الكبرى هو التشاركية في صناعة القرار وهذه التشاركية يكون لها عدة مستويات: فالمستوى الأول هو طبعا على مستوى صانعي السياسة في المؤسسة وهم المسؤولون الأوائل المحيطون بمتخذ القرار واما المستوى الثاني فيكونون عينة من أصحاب المصلحة الذين يمسهم القرار وهذه العينة يجب أن تكون عينة ممثلة وقادرة على المشاركة في صناعة القرار بالطريقة الصحيحة ثم المستوى الثالث هو المستوى العام حيث تعلن نية القرار الى عموم الناس من خلال وسائل الإعلام لأخذ آرائهم سواء جاءت عن طريق الكتابة المباشرة للجهة أو الكتابة في وسائل الإعلام أو إذا كانت الجهة قررت أن تعمل استبيانا يضع فيه الناس آراءهم ثم تدرس هذه الآراء والتي يتوقع طبعا أن تضم فئة مقاومة للقرار ولكن تأتي هنا الدراسة الفاحصة بطريقة علمية لهذه الآراء بحيث تفرز الآراء التي لها وجاهة وفيها مبررات منطقية وتقدم تصورات ناضجة حول تبعات القرار سواء كانت مؤيدة أو كانت رافضة ومن ثم فإن هذه الدراسة سوف تخرج برؤية جيدة وبصيرة نافذة حول مستقبل القرار الأمر الذي يجعل الجهة تمضي قدما في قرارها وهي مطمئنة إلى جودته وإنجازه لدوره بالطريقة الصحيحة، أو ربما هي تتراجع عنه بناء على ما تبين لها من حجج منطقية.
أتوقع أنه إذا رسمت سياسة عامة تخضع لها كل الجهات في إنتاجها قراراتها العمومية وخاصة تلك التي لها آثار مهمة فإننا سوف نقلل كثيرا من التراجع عن القرارات والله الموفق.