عبود بن علي ال زاحم
ليست كل العطايا تُرى، وليست كل حالات المنع خسارة كما نظن. في حياتنا المهنية والشخصية اعتدنا أن نربط بين العطاء والنجاح، وبين المنع والإخفاق، فنفرح بما نحصل عليه ونتألم مما يفوتنا، لكن الحقيقة أعمق من هذا التصوّر السريع.
يقول الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وهذه الآية تختصر كثيرًا من مشاعر الحيرة التي نعيشها عندما لا تسير الأمور كما نريد.
كم فرصة ظننا أنها ضاعت، ثم اكتشفنا لاحقًا أنها كانت حماية، وكم بابًا أُغلق في وجوهنا ليفتح باب آخر لم نكن نراه، لكنه كان الأنسب لنا. ما جاءك من عطاء فهو من فضل الله، وما صُرف عنك فبحكمة يعلمها الله.
وفي الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»، فالمؤمن لا يخسر في الحالتين، بل يتحول العطاء والمنع إلى أبواب أجر وخير.
وفي بيئة العمل تحديدًا قد تمر بلحظات تشعر فيها أن الأمور لم تسر كما كنت تخطط، ترقية لم تحصل عليها، فرصة لم تُمنح لك، أو دور كنت ترى نفسك الأجدر به، وهنا يتسلل الإحباط، لكن ما لا ننتبه له أن الصورة لم تكتمل بعد.
ومع مرور الوقت تتضح أبعاد مختلفة، وربما تكتشف معنى قوله تعالى: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}، وأن ما يحدث لك ليس عشوائيًا، بل ضمن تدبير دقيق يقودك إلى ما هو أنسب لك.
ربما كان التأخير إعدادًا لنضج أكبر، وربما كان المنع توجيهًا لمسار أكثر اتزانًا، وربما كان الاختيار الإلهي لك أرحم وأدق من اختيارك لنفسك.
النضج الحقيقي لا يكمن فقط في الفرح بما نملك، بل في الطمأنينة لما لم نحصل عليه أيضًا، فالثقة بالله لا تعني أن كل ما نريده سيحدث، بل تعني أن كل ما يحدث يحمل في طياته خيرًا، حتى وإن تأخر فهمه.
وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، وهي دعوة للعمل والسعي مع يقين أن النتائج بيد الله، وأن ما كُتب لك سيأتيك، وما صُرف عنك فلحكمة.
في كل تجربة تذكّر أن تشكر الله على العطاء لأنه فضل، وأن ترضى بحكمة المنع لأنه رحمة، وأن تمضي واثقًا لأن القادم يحمل لك ما هو أنسب، لا مجرد ما هو أقرب.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق التي نحتاج أن نؤمن بها ونعيشها: ليست القصة فيما أردت، بل فيما اختاره الله لك، حيث الحكمة، واللطف، والتمام.