محمد البهيدل
بين ليلةٍ وضحاها، تبدلت موازين الأرض في دورينا، وانحنت خارطة المنافسة لترسم طريقاً جديداً، ملامحه مرسومة بمداد من القلق وزخات من الأمل.. في كرة القدم، ليس السقوط دائماً نهاية الطريق، بل أحياناً يكون هو الصافرة التي تعيد إحياء الموتى، والشرارة التي تحرق أوهام المنافسين.
زلزال «الخبر» وهدية «القادسية»
لم يكن سقوط النصر بثلاثية قاسية أمام القادسية مجرد خسارة لثلاث نقاط، بل كان زلزالاً ضرب أركان المدرج الأصفر ووصلت ارتداداته إلى المدرج الأزرق كقبلة حياة في وقت حرج. كان الهلاليون يترقبون تعثراً، ولو بنقطة. ليبقى مصيرهم بأيديهم، فجاء الكرم القدساوي ليعيد ترتيب الأوراق؛ النصر يسقط سقوطاً يقتل الآمال في قلوب عشاقه، ويمنح غريمه التقليدي فرصة ذهبية، بل فرصاً، ليكون الطريق نحو اللقب ممهداً بالورد لو عرف الهلال كيف يطأ هذا الطريق!
الخليج.. فوزٌ بطعم الاحتراق النفسي
وفي المقابل، عاش الجمهور الهلالي ليلةً دراماتيكيةً أمام الخليج، ليلة لم تكن تشبه كرة القدم بقدر ما كانت تشبه صراع البقاء.. نعم، عاد الهلال بالنقاط، وعزَّز فوزه السابق على الحزم في الرس، لكنه فوز مر المذاق، غير مقنع، ولا يشبه كبرياء الزعيم.. لقد تلاعب نجوم الهلال بأعصاب الجماهير، حبسوا الأنفاس في صدورٍ ضاقت ذرعاً بالتفريط، وأهدروا فرصاً لو سُجلت لكانت المباراة نزهة، لكنها تحولت إلى ضغط نفسي رهيب استمر حتى الصافرة الأخيرة..
هذا الفوز الباهت هو السقوط الذي يجدِّد الآمال؛ فهو رغم سوء الأداء، وضع الهلال على بُعد خطوات من الحلم، مستفيداً من مباراته المؤجلة التي كانت بمثابة عنق الزجاجة..
تخبطات «إنزاغي» والأسلوب الأحادي
وهنا نقف وقفة مصارحة مؤلمة، إلى متى يستمر إنزاغي في ممارسة طقوسه التدريبية المستفزة..؟ المدرب الذي يبدو وكأنه لا يملك في جعبته إلا نوتة واحدة يعزف عليها مهما اختلفت الألحان من حوله. كيف لفريق يضم نخبة من ألمع النجوم أن يظهر بهذا الشتات الفني..؟ إن استمرار إنزاغي على فرض أسلوبه الغريب، وتجاهله للمرونة التكتيكية، هو اللغم المزروع في طريق البطولات.
الجماهير لا تريد نقاطاً فقط، بل تريد هيبة الهلال التي تفرض سيطرتها طولاً وعرضاً، لا الهلال الذي يرتجف أمام طموح الفرق المتوسطة بسبب عناد مدرب يرى ما لا نراه، أو ربما لا يرى إلا نفسه!
المشهد الأخير.. رعبٌ وأمل
المشهد الآن بات واضحاً للعيان: الهلال يقترب من اللقب ببطء شديد وحذرٍ يشوبه الخوف من المفاجآت، بينما النصر يبتعد بطريقة تثير الرعب في مدرجه، وتطرح تساؤلات كبرى حول الانهيار المفاجئ في الأمتار الأخيرة.
يا جماهير الزعيم.. الطريق الآن أصبح سالكاً، والديربي القادم سيكون فصل الخطاب.. الهلال يملك الأفضلية، ويملك مصيره بيده دون النظر لنتائج الآخرين، شرط أن يستعيد روح البطل وينفض غبار التخبطات الفنية.. فهل يستوعب إنزاغي الدرس قبل فوات الأوان؟ أم يظل الهلال يفوز بالدعوات والأماني وسط حقل من الألغام التكتيكية..؟ الكرة الآن في ملعب الأزرق.. إما تأكيد العودة، أو ضياع فرصة قد لا تتكرر في عقود.