صبحي شبانة
في زمنٍ لم تعد فيه الجغرافيا وحدها ميدانا للمعارك ومسرحًا للصراعات، ولا البيانات الرسمية وحدها مصدرًا للمعلومات، تمددت المعركة إلى فضاءات رحبة أكثر اتساعًا وتحررا، حيث تتقاطع فيها الكلمات مع المصالح، وتتحول عبرها السرديات إلى أدوات نفوذ، وتغدو المنصة الرقمية ساحة يُعاد فيها تشكيل الوعي قبل أن تحسمه الوقائع، في هذا المشهد المتبدل، لم تعد المنصة مجرد وسيط ناقل، بل أصبحت فاعلًا يصنع أثره بهدوء، ويعيد ترتيب الأولويات دون ضجيج، وبين سطورٍ تُكتب على عجل، ورسائل تُبث في ثوانٍ، تتشكل خرائط جديدة للصراع، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تترك بصماتها العميقة في مسار الأحداث.
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض في ميادين القتال وحدها، ولا تُدار فقط عبر القنوات الدبلوماسية المغلقة، بل انتقلت بثقلها وتأثيرها إلى فضاء جديد مفتوح، هو الفضاء الرقمي، حيث برزت وسائل التواصل الاجتماعي كفاعل رئيسي لا يمكن تجاهله في إدارة الصراع الأمريكي –الإيراني، هذا الصراع الذي لم يعد يُقاس فقط بما يجري على الأرض من تحركات عسكرية أو مفاوضات دبلوماسية، بل بما يُبنى في الفضاء الإلكتروني من روايات، وما يُصاغ من تصورات، وما يُبث من رسائل تستهدف العقول قبل أن تصل إلى المواقف، وفي هذا السياق، تحولت الكلمة من مجرد أداة تعبير إلى وسيلة تأثير قد تسبق القرار السياسي وتمهّد له، وتؤثر في مساراته واتجاهاته.
وفي خضم هذا التحول، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لنقل الأخبار أو التعبير عن الآراء، بل أصبحت ساحات مفتوحة تُدار فيها معارك موازية، تُستخدم فيها الكلمة كأداة نفوذ، والصورة كوسيلة إقناع، والزمن كعامل حاسم في توجيه التفاعل، حيث لم يعد المتلقي مجرد مستهلك ومتلقي للمعلومة، بل شريكًا في إعادة إنتاجها وتداولها، وهو ما منح هذه الوسائل قدرة غير مسبوقة على الانتشار والتأثير، وجعلها جزءًا لا يتجزأ من منظومة إدارة الصراع، خاصة في حالة معقدة ومتشابكة كالعلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران، التي تتداخل فيها الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية.
وفي لحظات التصعيد، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر، حيث تتحول التغريدة إلى رسالة سياسية، وقد تصبح منشورات منصات التواصل مؤشرًا على اتجاهات التصعيد أو التهدئة، بل إن بعض المواقف الرسمية باتت تُعلن أو تُمهّد عبر هذه الوسائل قبل أن تأخذ طريقها إلى البيانات التقليدية، وهو ما يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة الاتصال السياسي، حيث لم يعد الخطاب موجّهًا فقط إلى الحكومات، بل إلى الشعوب أيضًا، في محاولة للتأثير على مواقفها، أو كسب تعاطفها، أو حتى ممارسة ضغط غير مباشر عبر تشكيل الرأي العام.
غير أن هذا الدور المتنامي يطرح إشكالية دقيقة تتعلق بالحدود الفاصلة بين ما هو مباح وما هو محظور، فالمباح في هذا السياق يتمثل في استخدام هذه الوسائل لنقل المعلومات وتحليلها وتبادل وجهات النظر في إطار من المسؤولية والمهنية، بما يسهم في تعزيز الوعي وفهم تعقيدات المشهد، أما المحظور فيبدأ حين تتحول هذه المنصات إلى أدوات لنشر الشائعات أو الترويج لمعلومات غير دقيقة أو التحريض أو إثارة البلبلة، وهو ما قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام أو التأثير سلبًا على الاستقرار، ومن هنا تبرز أهمية الالتزام بالضوابط الحاكمة للعمل الإعلامي، التي تقوم على تحري الدقة، واحترام القيم، وتجنب الإثارة غير المسؤولة، والتمييز بين حرية التعبير والفوضى الإعلامية.
ولعل أحد أبرز التحولات التي فرضتها وسائل التواصل يتمثل في إعادة تعريف مفهوم السبق الصحفي، حيث لم يعد السبق حكرًا على المؤسسات الإعلامية الكبرى، بل أصبح متاحًا لأي مستخدم يمتلك حسابًا نشطًا وقدرة على الوصول إلى المعلومة أو حتى إلى تأويلها، وهو ما أدى إلى تسارع وتيرة النشر بشكل غير مسبوق، لكنه في الوقت ذاته أضعف من معايير التحقق، وفتح الباب أمام انتشار الأخبار غير الدقيقة أو المضللة، لتصبح المعلومة نفسها محل صراع، لا يقل في أهميته عن الصراع السياسي أو العسكري.
وفي هذا السياق، لا يمكن القول إن الإعلام الرصين قد تراجع بقدر ما يمكن القول إنه يواجه اختبارًا حقيقيًا في ظل بيئة إعلامية جديدة تفرض إيقاعًا مختلفًا، فبينما يلتزم الإعلام المهني بمعايير صارمة في التحقق والتدقيق، تنطلق وسائل التواصل بسرعة قد تتجاوز هذه المعايير، وهو ما خلق فجوة بين سرعة النشر ودقته، وجعل بعض الجمهور يميل إلى استهلاك المحتوى الأسرع، حتى وإن كان أقل موثوقية، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام المؤسسات الإعلامية التي تسعى للحفاظ على مصداقيتها دون أن تفقد قدرتها على المنافسة في فضاء سريع التغير.
ومن زاوية أخرى، فإن انتقال كبار الكُتّاب والمحللين إلى منصات التواصل لم يكن مجرد تحول شكلي، بل يعكس إدراكًا عميقًا لتغير طبيعة الجمهور والمتلقي ووسائل الوصول إليه، حيث لم يعد القارئ ينتظر المقال في اليوم التالي، بل يبحث عن المعلومة والتحليل في اللحظة نفسها، وهو ما دفع العديد من الكُتّاب إلى استخدام هذه المنصات كامتداد طبيعي لعملهم الصحفي، يطرحون من خلالها أفكارهم، ويتفاعلون مع القراء، ويختبرون ردود الفعل بشكل فوري، غير أن هذا التحول يطرح بدوره تحديات تتعلق بالحفاظ على عمق الطرح، في بيئة تميل إلى الاختصار، وعلى الاتزان، في فضاء يتسم بسرعة التفاعل وحدّة النقاش.
ورغم ما تحققه وسائل التواصل من انتشار واسع وتأثير مباشر، فإنها لا يمكن أن تكون بديلًا كاملًا للإعلام المهني، بل شريك يفرض حضوره في معادلة جديدة، حيث تحتفظ المؤسسات الإعلامية بدورها في تقديم التحليل العميق والمحتوى الموثوق، بينما توفر المنصات الرقمية سرعة الوصول واتساع الانتشار، ومن هنا تبدو العلاقة بين الطرفين علاقة تكامل لا تنافس صفري، إذ يحتاج كل طرف إلى الآخر في بناء مشهد إعلامي متوازن يجمع بين السرعة والمصداقية، وبين الانتشار والعمق.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح ضبط الفضاء الرقمي ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، لا بهدف تقييد حرية التعبير، بل لضمان ممارستها في إطار من المسؤولية، وهو ما يتطلب تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور، بحيث يصبح قادرًا على التمييز بين المعلومات الصحيحة و الاشاعات المضللة، كما يتطلب تطوير الأطر التنظيمية التي تواكب هذا التحول، وتشجع المحتوى المهني، وتحد من التجاوزات التي قد تضر بالمجتمع أو تؤثر على استقراره، بما يتسق مع الضوابط الحاكمة التي تؤكد أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن الكلمة، مهما كانت بسيطة، قد يكون لها أثر بالغ في تشكيل الوعي أو توجيه السلوك.
وفي حالة الصراع الأمريكي –الإيراني، تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الاعتبارات الإعلامية، وتصبح كل رسالة جزءًا من إستراتيجية أوسع، تسعى من خلالها الأطراف المختلفة إلى تحقيق مكاسب غير مباشرة، سواء عبر التأثير على الرأي العام، أو عبر إرسال إشارات محسوبة إلى الطرف الآخر، أو حتى عبر اختبار ردود الفعل قبل اتخاذ قرارات أكثر حساسية، وهو ما يجعل من وسائل التواصل أداة فاعلة في إدارة الصراع، لكنها في الوقت ذاته ساحة مفتوحة للمخاطر، إذا ما أسيء استخدامها أو خرجت عن إطارها المهني.
وفي النهاية، يمكن القول إن العالم لم يعد كما كان، وأن أدوات التأثير قد تغيرت بشكل جذري، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من قدرات عسكرية أو اقتصادية، بل بما تملكه من قدرة على صياغة الرواية ونسج السردية والتأثير في العقول، ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة، بما تحمله من فرص لتعزيز التواصل ونقل المعرفة، وما تطرحه من تحديات تتعلق بالمصداقية والانضباط، وبين المباح والمحظور، يبقى الرهان الحقيقي على وعي المستخدم، ومهنية الكاتب، لأن الكلمة، في زمن الحروب والأزمات والصراعات، لم تعد مجرد أداة للتعبير، بل أصبحت سلاحًا فتاكا قادرًا على إعادة تشكيل الواقع، وتوجيه مسار الأحداث، وربما حسم بعض نتائجها قبل أن تُحسم على الأرض.