سعدون مطلق السوارج
لم تكن قمة جدة التشاورية الاستثنائية مجرد اجتماعٍ طارئ فرضته ظروف إقليمية متوترة، بل جاءت بوصفها لحظة فارقة في مسار العمل الخليجي المشترك، لحظة يمكن قراءتها باعتبارها انتقالاً نوعياً من منطق الاستجابة للأزمات إلى منطق صياغة الأمن الإقليمي بصورة استباقية.
فمنذ اندلاع أحداث أواخر فبراير 2026، دخلت المنطقة مرحلة حساسة اتسمت بتسارع التهديدات وتداخل المسارات العسكرية والسياسية، ما وضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبارٍ مركب، لا يتعلق فقط بقدرتها على الاحتواء، بل بقدرتها على إعادة تعريف موقعها في معادلة الأمن الإقليمي. وهنا تحديداً تبرز أهمية قمة جدة، التي لم تأتِ لتواكب الحدث، بل لتعيد ضبط إيقاعه.
القراءة المتأنية لمخرجات القمة وسياقها الزمني تكشف أن دول الخليج لم تتعامل مع التطورات بوصفها موجة عابرة، بل بوصفها تحوّلاً يستدعي بناء مقاربة جديدة. فبدلاً من الاكتفاء بردود الفعل المرحلية، برز توجه واضح نحو تعزيز التنسيق الجماعي، وتطوير آليات العمل المشترك، بما يواكب حجم التحديات المتسارعة. وهذا التحول لا يعكس فقط وعياً سياسياً، بل يشير إلى نضج استراتيجي يتشكل بهدوء وثبات.
لقد أثبتت التجربة خلال الأسابيع الماضية أن الخليج يمتلك أدوات متعددة لإدارة التوازن؛ فهو من جهة حافظ على استقراره الداخلي، ومن جهة أخرى تعامل مع محيطه الإقليمي بقدر عالٍ من الانضباط، متجنباً الانزلاق إلى مسارات مفتوحة قد تفرض كلفة غير محسوبة. وهذه القدرة على «ضبط الإيقاع» هي في حد ذاتها مؤشر على انتقال ذهني من رد الفعل إلى الفعل المدروس.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة قمة جدة كمنصة لإعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي، بحيث لم يعد الأمن محصوراً في البعد العسكري التقليدي، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل: أمن الطاقة، أمن الملاحة، الاستقرار الاقتصادي، والتوازن السياسي الإقليمي.
هذا الاتساع في المفهوم يعكس إدراكاً بأن التحديات الحديثة لا تُواجه بأدوات أحادية، بل عبر بناء شبكة متماسكة من السياسات المتكاملة، وهو ما بدأت ملامحه تتضح في الخطاب والممارسة الخليجية خلال هذه المرحلة.
كما أن القمة رسّخت فكرة محورية مفادها أن العمل الخليجي المشترك لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة. فالتحديات العابرة للحدود لا يمكن التعامل معها بشكل منفرد، وهو ما جعل التنسيق بين دول المجلس أكثر حضوراً وفاعلية، ليس فقط على مستوى البيانات، بل على مستوى التوجهات العامة.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للمملكة العربية السعودية في هذا التحول، إذ شكّلت استضافة القمة وقيادة هذا الحراك السياسي إطاراً جامعاً أسهم في توحيد الرؤية وتعزيز المسار الجماعي. وقد عكس ذلك قدرة واضحة على إدارة التوازن بين الحزم والهدوء، وبين حماية المصالح وتفادي التصعيد، وهي معادلة دقيقة لا تتحقق إلا عبر قيادة تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
إن قمة جدة، بهذا المعنى، لا تمثل نهاية مرحلة بقدر ما تمثل بداية مسار جديد، مسار يتجه فيه الخليج نحو ترسيخ موقعه كفاعل رئيسي في صياغة أمن المنطقة، لا كمجرد طرف يتأثر بتقلباتها. وهو تحول يحمل في طياته دلالات عميقة، ليس فقط على مستوى الحاضر، بل على مستوى شكل التوازنات الإقليمية في المرحلة القادمة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن ما حدث في جدة لم يكن استجابة ظرفية، بل خطوة محسوبة في اتجاه بناء نموذج خليجي أكثر تماسكاً وقدرة على المبادرة. نموذج لا ينتظر الأزمات ليواجهها، بل يسعى إلى استباقها، وإعادة تشكيل بيئتها، بما يحفظ الاستقرار ويعزز الحضور.
وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقية للقمة: أنها لم تكتفِ بإدارة اللحظة.. بل بدأت في صناعة ما بعدها.
- باحث في التراث الكويتي والخليجي