أ.د.عثمان بن صالح العامر
في كل عام، يتجدد الموعد مع أسبوع البيئة، ليحمل في طياته رسالة عميقة تتجاوز الشعارات إلى بناء وعيٍ إنسانيٍّ متجذر في الأرض.
ويأتي هذا العام تحت شعار «أثرك أخضر»، ليضع الإنسان أمام مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية تجاه البيئة، يعيد التذكير بأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بما نستهلكه، بل بما نتركه من حياةٍ تنمو بعدنا.
لم تكن الشجرة يوماً مجرد كائنٍ صامت في الطبيعة، بل ارتبطت بأعمق لحظات الوجود الإنساني.
فمنذ أن خلق الله الإنسان وأسكنه الجنة، كانت الشجرة حاضرة في أول اختبار لأبينا آدم عليه السلام، حيث شكّلت رمزاً للابتلاء والمعرفة في ذات الوقت، وبداية الوعي الإنساني بالاختيار والمسؤولية.
ومنذ تلك اللحظة، لم تنفصل الشجرة عن الإنسان؛ رافقته في ترحاله، ظللته في أسفاره، وأطعمته من ثمارها، حتى أصبحت جزءاً من ذاكرته الحضارية والروحية عبر العصور. في عالمنا المعاصر، بما يواجهه من تحديات مناخية وتدهور بيئي، أعاد عقلاء البشرية اكتشاف قيمة الشجرة، ليس فقط كمصدر للغذاء، بل كخط الدفاع الأول ضد التصحر، وكوسيلةٍ لتحقيق التوازن البيئي واستدامة الحياة.
وفي المملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص شهدت الشجرة تحوّلاً تاريخياً في مكانتها، خاصة في عهد مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي عهده رئيس مجلس الوزراء، حيث أصبحت جزءاً من مشروع وطني طموح يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وبيئته.
وقد تجسّد ذلك في مبادرات كبرى مثل مبادرة السعودية الخضراء التي تستهدف زراعة مليارات الأشجار، وتقليل الانبعاثات، وتعزيز الغطاء النباتي، في خطوةٍ تعكس وعياً عميقاً بأهمية الاستدامة.
هذا التحول لم يكن مجرد مشروع بيئي، بل هو إعادة كتابة لدور الإنسان في الأرض، من مستهلكٍ إلى صانعٍ للحياة.
إن شعار هذا العام ليس مجرد عبارة جميلة، بل دعوة مفتوحة لكل فرد منا (أن يترك أثراً حقيقياً، أن يزرع شجرة، أو يحافظ على مورد، أو ينشر وعياً.
فالأثر الأخضر لا يحتاج إلى إمكانات ضخمة، بل إلى إدراكٍ صادق بأن كل خطوة صغيرة يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً).
وهكذا الحكاية... بدأت من شجرةٍ كانت اختباراً في الجنة، إلى شجرةٍ تُزرع اليوم في صحراءٍ لتصنع مستقبلاً، تمتد قصة الإنسان مع الشجرة عبر الزمن، شاهدةً على تحولاتنا، ومذكرةً لنا دائماً بأننا جزء من هذه الأرض، ولسنا فوقها.
وفي أسبوع البيئة هذا، يبقى السؤال مفتوحاً:
(ما هو أثرك الأخضر الذي سيبقى بعدك؟)
دمتم بخير، ودامت خطواتكم على أديم هذه الأرض، ودروبكم في هذه الحياة خضراء، وإلى لقاء، والسلام.