د. عبدالحق عزوزي
سعدنا كثيرا بتنظيم لقاءات الجامعة الأورومتوسطية بفاس حول تحالف الحضارات 2026 يومي 27 و28 أبريل 2026 بمدينة فاس العريقة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبتنظيم مشترك بين الجامعة الأورومتوسطية بفاس، ورابطة العالم الإسلامي، وكرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات، وتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة. وقد شكل هذا الحدث الدولي البارز، الذي اتسم بطابع أكاديمي رفيع ومستوى دبلوماسي رصين، منصة عالمية متعددة الأبعاد للحوار العميق والتفكير الإستراتيجي حول موضوع بالغ الأهمية: «مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل الذكاء الاصطناعي». وقد عرفت هذه التظاهرة الدولية الوازنة مشاركة أزيد من 2100 مشارك يمثلون 74 دولة من مختلف القارات، من بينهم شخصيات حكومية رفيعة المستوى، ودبلوماسيون مرموقون، وخبراء دوليون، وأكاديميون بارزون، وممثلون عن منظمات أممية، إلى جانب حضور نوعي ومكثف لأكثر من 1400 شاب وشابة، مما يعكس البعد الكوني، والتنوع الثقافي، والغنى الفكري الذي طبع أشغال هذا المنتدى.
إن الحوار بين الحضارات ضرورة حتمية وواجب أخلاقي وإنساني، وهو تعبير أصيل عن أبرز قيم الحضارة الإنسانية وسمات الشخصية المتوازنة؛ ويتطلب فضلاً عن التكافؤ بين الإرادات والتوفر على النوايا الحسنة، الاحترام المتبادل والالتزام بالأهداف التي تعزز القيم والمبادئ الإنسانية التي هي القاسم المشترك بين جميع الحضارات والثقافات. ولا يعني احترام الرأي الآخر القبول به في المطلق، فقد اتفق أو اختلف معك، ولكن في النهاية الاحترام هو السائد.
ويفتح هذا الحوار المجال واسعا أمام تفاهم الشعوب والجماعات، ويؤدي إلى تقارب الحضارات وتلاقحها، وينطلق من نقاط الالتقاء بدلا من أوجه الاختلاف، في إطار الالتزام بالموضوعية والحياد عند تناول الآخر من النواحي كافة، والابتعاد المطلق عن تغيير الحقائق على نحو يشوه صورة الآخرين أو يسيء إليهم.
وهو اختيار العقلاء وسبيل يسلكه الحكماء ومسؤولية إنسانية مشتركة يتحملها بصورة خاصة، صانعو القرار والمؤسسات الدولية ذات الأهداف الإنسانية الجامعة والنخب الفكرية والثقافية والإعلامية في العالم أجمع، من أجل المشاركة الجماعية في بناء السلام في الحاضر والمستقبل.
وفي هذا الجانب، تطرح مسألة أنظمة الذكاء الاصطناعي وما يمكن أن تحدثه من شرخ عظيم في جدار الحضارة الإنسانية ومن صدامات وصراعات ومآس على مستوى الأفراد والشعوب، وزرع للكراهية والنفور بين البشر، ومخاطر مثل انتهاك الحياة الخاصة وخلل في الخوارزميات وغيرها، في غياب تنظيم محكم لهذا القطاع.
وتحاول عشرات الدول الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي وضع تنظيمات لتطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في مجالات عدة، محذرة من «عواقب غير مرغوب فيها»، كتلك المخاوف المتعلقة بـ «مسألة الانخراط البشري» إضافة إلى «انعدام الوضوح على صعيد المسؤولية».
صحيح أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحسين حياة الناس والتصدي للعديد من التحديات التي تواجهها مجتمعات اليوم، لكنه قادر أيضا على أن يزيد بشكل هائل المخاطر حيال الأمن والسلامة، وينتهك الحقوق المدنية والخصوصية، ويزرع الريبة ويفقد الثقة عند جمهور الناس، ناهيك عن نشر الأخبار المضللة التي قد تحدث الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وهذا الكلام نجد له تفسيرا عندما نفهم الأسباب التي جعلت «عراب الذكاء الاصطناعي» البريطاني-الكندي جيفري هينتون يستقيل من غوغل في مايو/ أيار 2023، مبررا قراره بالقول إنه يريد «التحدث بحرية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي».
وبالفعل، ففي خرجاته الإعلامية المتكررة، تحدث هينتون عن المخاطر الحضارية والإنسانية للذكاء الاصطناعي والبطالة التكنولوجية، وسوء الاستخدام المتعمد لهذا الابتكار، من قبل جهات وصفها بـ»الخبيثة». وقال: «لقد وصلت إلى استنتاج بأن نوع الذكاء الذي نطوره يختلف كثيراً عن الذكاء الذي لدينا. نحن أنظمة بيولوجية وهذه أنظمة رقمية، والفرق الكبير أنه مع الأنظمة الرقمية لديك العديد من النسخ من ذات مجموعة الأوزان، ومن نموذج العالم ذاته». قبل أن يضيف: «جميع هذه النسخ تستطيع التعلم بشكل منفصل، لكنها تشارك معرفتها فوراً. فإن كان لديك 10 آلاف شخص، عندما يتعلم شخص واحد شيئا ما، سيعرفه الجميع تلقائياً. وهكذا يمكن أن تعرف روبوتات الدردشة أكثر من شخص واحد بكثير». وقال أيضا بأن الذكاء الاصطناعي «قد يتجاوز قريبا القدرة المعلوماتية للدماغ البشري»، ووصف بعض المخاطر التي تشكلها برامج الدردشة الآلية هذه بأنها «مخيفة للغاية».
ومن هنا ضرورة إعداد معايير دولية واضحة للذكاء الاصطناعي وتعزيز أنظمة آمنة وموثوقة له؛ فتطوره يحدث بسرعة تفوق الخيال وتفوق كل القوانين وكل الحدود، ومكوناته وتشعباته تتعدى ما ألفه البشر في مجال الاختراعات والتكنولوجيا الحديثة؛ وهذا المجهود الدولي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ضرورة احترام وتقنين الذكاء الاصطناعي لما فيه خدمة الحضارة الإنسانية وواقعية الخصوصيات الإنسانية القومية والعرقية والجغرافية، وللحديث بقية...