د.محمد بن عبدالرحمن البشر
منذ أن قامت في إيران الثورة المهلكة، والشعب الإيراني يعيش وضعًا اقتصاديًا ومعيشيًا مؤلمًا، واليوم تعيش اختناقًا اقتصاديًا ليس له مثيل، فهي لا تستطيع أن تصدر نفطها، وهو شريان حياتها ومصدر عملتها الأجنبية، كما يشكل نحو ثمانين في المائة من مجمل صادراتها، وقد قاربت مخازنها على الامتلاء فلجأت إلى مخازن مندثرة شديدة الخطورة، لكن لابد مما ليس منه بد، كما خفضت من إنتاجها النفطي في خطوة سابقة، وقد تلجأ إلى إقفال بعض الآبار مع ما يترتب عليه من مشاكل، وقد أعلن المرشد أن على الشعب الجهاد الاقتصادي وهو مصطلح جديد، يشير إلى مستقبل مؤلم جداً للشعب الإيراني. وأخذ المسؤولون الإيرانيون يصرحون بتماسك الشعب والخروج إلى الميادين، وهذا مؤشر أن تحت الرماد نار تخشى السلطة اشتعالها. وفي الوقت الذي يعاني فيه الشعب الإيراني من ألم اقتصادي كبير، يؤكد الرئيس الأمريكي أن الحصار سوف يستمر لشهور، وهذا يؤثر بلا ريب على معنويات الشعب الإيراني وتطلعه إلى الخلاص مما يعانيه، وأمله في تفريج كربة ظلت جاثمة عليه سنين متتالية، وسواء طال الحصار أو وقعت الحرب، فكلاهما أسوأ من الآخر على الشعب الإيراني، والناس في حياتها على هذه البسيطة تطلب الأمن، والعيشة الكريمة، والكرامة، فهل هذا يا ترى يتمتع بها الشعب الإيراني حتى بالقدر المحدود، لا أظن ذلك، لكن ليس لهم من الأمر شيء، أو كما قال ابن زيدون:
سَتَصبِرُ صَبرَ اليَأسِ أَو صَبرَ حِسبَةٍ
فَلا تُؤثِرِ الوَجهَ الَّذي مَعَهُ الوِزرُ
وهم في إيران لا يصبرون صبر يأس، لكنه صبر انتظار لما قد تحمله الأيام من ضوء قد يلوح في آخر النفق، ليعيشوا كما يعيش جيرانهم الذين ينعمون بالأمن والرخاء. نسمع بين فينة وأخرى خبرًا هنا أو هناك، وتصريحًا يطلقه المسؤولون من كل جانب، ويبدو أن الأحداث تتجدد في كل ساعة، وربما يكون هناك أمر ما قبل إتمامي كتابة هذا المقال، فالليالي من الزمان حبالى مثقلات يحملن كل عجيبة، والحرب هي الحرب منذ بدء التاريخ وقبله، وقد أحرقت بنارها شعوب، وهدمت صوامع وبيع، وفرقت أحباباً، وأذلت أعزة، وإيران نفسها مر عليها الكثير من الحروب عبر تاريخها، منذ الدولة الخمينية، والساسانية، ودخلت في حروب مع الإسكندر الأكبر، والحيثيين، والآشوريين، والبابليين، والمصريين القدماء، وكذلك قبل التاريخ، وبعد الفتح الإسلامي، دخل الصفويون في حروب متعددة، وكان من الأولى أخذ العبر من التاريخ. اليوم إيران والولايات المتحدة تحت ضغط الوقت حتى وإن أظهروا غير ذلك، فإيران تعيش في أزمة اقتصادية خانقة، وعين قادتها على الشعب خشية الانفجار بسبب الضائقة المالية، وكبت الأصوات، والتضخم الهائل، حتى أن صرف عملتها بلغ نحو مليونا ريال إيراني مقابل الدولار، ولا نرى في الأفق أملًا قريبًا، والولايات المتحدة الأمريكية يهمها عامل الوقت أيضًا نظرًا لقرب الانتخابات النصفية، والضغوط التضخمية التي يلمسها الشعب الأمريكي، وسائر شعوب العالم، ولهذا فإن حلاً ما قد يحدث قريبًا، أو أن حربًا جديدة قد تبدأ بنهاية غير معلومة، وكأنما قاله امرؤ القيس في قصيدته ماضية عبر القرون حتى يومنا هذا، حيث يقول:
الحَرْبُ أَوَّلُ ما تكونُ فَتِيَّةً
تَسْعَى بِزِيْنَتِها لكلِّ جَهُولِ
حتى إذا اسْتَعَرَتْ وَشَبَّ ضِرَامُها
عَادَتْ عَجُوزًا غيرَ ذاتِ خَلِيلِ
شَمْطَاءَ جَزَّتْ رَأْسَهَا وَتَنَكَّرَتْ
مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ والتَّقْبِيلِ