ميسون أبو بكر
الدرعية حديث العالم، تلك المنطقة الوادعة في قلب العاصمة الرياض، والتي لطالما كانت معلماً تاريخياً مهماً بكل تفاصيله التي تعتبر بوابة إلى الماضي، وهي مسقط رأس آل سعود العائلة الملكية التي أسست ووحَّدت المملكة العربية السعودية والتي أرست الأمن والأمان في الجزيرة والمنطقة كلها، والتي من صميم معرفتي بأفرادها وعملي ونشاطاتي مع الكثير منهم يأسرني محافظتهم على التاريخ وعلى أصالته بكل جوانب حياتهم ومسميات أبنائهم وأزيائهم وترديدهم لتاريخ وطنهم ومعرفتهم بالأنساب؛ حرصهم حرص كل فرد سعودي في هذه البلاد، وكل ذلك يعكس الحرص على الموروث وتوثيقه وتوريثه للأبناء لأن حاضر الأمم ومستقبلها يقوم على أساسات قوية وجذور ممتدة في أرضها وهذا ما يعيه السعوديون، لذلك هم من الشعوب الأصيلة التي تحفظ تاريخها وأنسابها عن ظهر قلب.
الدرعية التي يعشقها زوارها من السياح، والتي هي رئة ثانية لإنسان المملكة وواجهة حضارية لعشاقها والباحثين العالميين؛ تعد متحفاً مفتوحاً وهي مضافة لقائمة التراث العالمي (اليونسكو)، تتعدد فيها متاجر السلع الحرفية التي نُسجت بأيدي نساء ورجال سعوديين وهي محط اهتمام السياح الذين يسعون دائماً لاقتناء الهدايا التي تحمل صبغة المملكة العربية السعودية ومن صميم منتجاتها كالسدو والملابس المطرزة والمنسوجات من وبر الجمال.
وما أدراك ما الدرعية؛ واحات النخيل ونبضات التاريخ التي تداهمك في كل خطوة قصة، عمارتها التقليدية من الطوب الطيني، وحي البجيري المرمّم هو وجهة لمن يعشقون الرحلة في رحاب الماضي، وتتنشق رائحة الطين ونسمات الهواء التي تتخلَّل رحابه التي صمِّمت بعناية وبوجهات ترفيهية راقية، تداهمك فرقة العرضة السعودية لتقدِّم أهم اللوحات الفلكلورية التي يتفاعل معها السياح والمواطنون والمقيمون، وتبدأ فلاشات الجوالات في أخذ الصور التذكارية للفرقة الساحرة التي تتناغم لوحاتها الشعبية مع روح المكان.
يعد البجيري شبكة أزقة متعرِّجة مخصصة للمشاة مليئة بالمقاهي وتنبعث منها رائحة القهوة السعودية بالهال المصاحبة لطقوس الضيافة الخاصة سواء في طريقة تقديمها أو ملحقات التمر المتنوع من مناطق المملكة.
في قلب المتحف المفتوح الدرعية هناك متحفها الذي هو عبارة عن قصر سابق يضم معروضات عن التاريخ السعودي ومسجد الظويهرة المعروف ثم نهرها المحاط بأشجار النخيل في وادي حنيفة، الذي لطالما تغنَّى به الشعراء والمطربون الشعبيون لموقعه في قلب المدينة التي تسورها صحراء عذبة.
لا أنسى تعليق صديقاتي الفرنسيات على الوادي بعد رحلة مشي استمرّت ساعتين في أوائل نوفمبر الماضي ظللت سماءنا غيمات مشاغبة أمطرت ثم عدلت عن سكب كل خيرها كي لا تجعلنا نعدل عن رحلتنا التاريخية تلك.
ولا بد أن أشير إلى مجموعة دراجات الشروق التي تخصص يوماً كل أسبوع لممارسة ركوب الدراجات في ذلك الوادي الساحر الذي تنطلق منه وتنتهي بالعمارية.
الدرعية اليوم تمثِّل واجهة ثقافية فنية تاريخية حضارية لمملكة جعلت الثقافة من أولويات رؤيتها والتاريخ خارطة طريق لمستقبلها، والفن لوحة حياتية تلونه ريشة أبنائها وخطو أقدامهم وأحاديثهم الشجية عن مملكتهم.
لوحات الدرعية التي خطتها الفنانة هيا العتيبي وعلقتُها في منزلي الفرنسي هي محط اهتمام أصدقائي الفرنسيين الذين يتتبعون السياحة السعودية وسحر الدرعية التي تشهد الآن ترجمة لمخطط كبير تقوم به المملكة لتكون واجهتها الثقافية من ضمن وجهات متعددة لكنها الأضخم.
في الدرعية وحي طريف التاريخي.. كل يوم قصة وحدث ومناسبة، فقد التفتت لها الهيئات المتعددة التي تخصص مساحة لإقامة فعالياتها التي تصبح أبهى في رحاب المدينة التاريخية وبين أزقتها وبيوتها الطينية، آخرها كان حضوري دعوة الجمعية السعودية للمحافظة على التراث، حيث التقيت بحرفيات حضرن بحرفهن ونتاجهن في دول أوروبية وعالمية تتحدث أناملهن عن سحر ذاكرتهن وذاكرة الأجداد التي ورثنها.
للدرعية في القلب متكئ، فهي التي حين تُقبل إليها يرفرف العلم الأخضر عالياً يعانق روحك وذاكرتك ومخيلتك، وحين تقترب أكثر تسير مركبتك فوق جادتها الحجريّة بهوادة، يقابلك يميناً ويساراً المحال والمطاعم والممشى الذي يتيح للناس المشي والاستمتاع بالتاريخ.
الدرعية روح سعوديتنا وواجهة السياحة السعودية التي في كل شبر وجهة.