أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
ما زلنا مع (ذي القُروح) في مناقشة شؤون الكِتاب العَرَبي، وكتَّابه وقرَّائه... فسألناه:
ـ مَن الكاتب العَرَبي الذي تقترح قراءة أعماله حاليًّا، من وجهة قُروحك؟
ـ من وجهة قُروحي، هذا سؤالٌ بارد، وبلا معنى! هناك مواصفات لمثل هذا الكاتب، وليس هناك كاتبٌ بعينه.
ـ وهل للكتابة طقوس تؤثِّر فيها؟
ـ الكتابة الإبداعيَّة، نعم. أمَّا الكتابة العِلميَّة، فلا تعدو اشتراطاتها: الاستعداد الذِّهني، وتوافر أوعية المعلومات المناسبة.
ـ كيف نقرأ؟
ـ القراءة الاستيعابيَّة هي الأهم. ولكلِّ قارئٍ طريقته، ولكلِّ مادَّةٍ مقروءةٍ طريقتها في القراءة. مدرسيًّا ثمَّة كتبٌ نستعين بها في مجال تعلُّم (مهارات القراءة)، حينما ندرس مثل هذا الموضوع نظريًّا.
ـ لكن كيف نقرأ؟
ـ بأن نقرأ! كما يتعلَّم السباحة الإنسان بإلقاء نفسه في الماء. القراءة ليست بوسيلة، في النهاية، نسأل عنها بـ(كيف). غير أنَّ لدينا إشكالًا معرفيًّا مزمنًا في تلك الثنائيَّات الضِّديَّة، أو بالأحرى التي يتوهَّم الإنيسيان أنها ضِدِّيَّة، المتعلِّقة بالوسيلة والغاية، والشَّكل والمضمون، وغيرها من الثنائيَّات. وهذه الثنائيَّات التي يتوهَّم الإنيسيان أنها ضِدِّيَّة، ليست كذلك، بل هي تكامليَّة، لا يمكن أن تنفصل إحداها عن أخراها في النتيجة. وكلُّ ما في الكون، والذِّهن كذلك، قائمٌ على تزاوج الثنائيَّات. ومن ثَمَّ فإنَّ حديثنا في مساق سابق، على سبيل المثال، عن التحوُّل من القراءة الورقيَّة إلى القراءة الإلِكترونيَّة، لا يُفهَم منه، لدَى قارئ يعي ما يقرأ، اهتمامًا بالوسيلة فقط، بل الوسيلة هنا تصبح مكوِّنًا من مكوِّنات الغاية، الماثلة في تحوُّل الوعي الإنساني من طورٍ إلى طَور. وعليه، فإنَّ اختزال مفهوم (الكيف) في الآلَة هو تسطيحٌ لمعنى (الكيف) والآلة، وهْمًا أنهما قائمان بذاتَيهما. على القراءة أن تعي ذلك، إنْ كانت قراءة صحيحة، دون أن تنتظر من الكاتب أن يُعرِب عن تفاصيل ذلك بالضرورة. وذاك هو منهاج (الفرزدق) في القراءة- إنْ جاز القول- من حيث إشارته إلى تكامل وظيفة القصيدة والقراءة، أو قل: وظيفة الكتابة والقراءة: «علينا أن نقول، وعليكم أن تُعرِبوا!». ذلك أنَّ القارئ الذي لا يقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ له عن كلِّ شيء، إنَّما يسعَى، بوعيٍ أو بغير وعي، إلى أن يتنصَّل عن وظيفته القرائيَّة. وهذا الضَّرب من القُرَّاء هو، في حقيقة أمره، وليد مدرسةٍ وَعْظِيَّةٍ، في ثقافتنا بصفةٍ خاصَّة، اعتاد فيها أن يَهُـزَّ رأسه، وهو يُردِّد: (آمين)، لا أن يقرأ ما تحت السطور.
ـ هل هناك كتابٌ ضارٌّ وآخر نافع؟
ـ نعم. بل هناك كتابٌ سامٌّ للمستهلك الساذج.
ـ نسمع بالقراءة الإبداعيَّة والقراءة الإنتاجيَّة. ماذا تعنيان؟
ـ هي القراءة التفاعليَّة مع المادَّة المقروءة، أو قل: القراءة الناقدة. ويُشترَط في المادَّة المقروءة: أن تكون غير مألوفة ولا اعتياديَّة، بحيث تمثِّل خصوبةً خاصَّة. ويُشترَط في القارئ: أن يقرأ بمنهاجٍ (بحثيٍّ- تحليليٍّ- نقدي).
ـ ماذا عمَّا يُسمَّى (القراءة السريعة)، التي يُباهي بها بعض.
ـ غير مثمرة. بل القراءة المثمرة قد تستدعي إعادة قراءة الكتاب مرَّات. القراءة السريعة تتوقَّف جدواها على نوعيَّة المادَّة المقروءة ودرجة السُّرعة. وهي قد تفيد في قراءة النصِّ العِلمي، أو بالأحرى المعلوماتي، لا الأدبي.
ـ ماذا عن القراءة والمستجدَّات الحديثة (الأجناس الجديدة، الاتجاهات الإنسانيَّة الجديدة... إلخ)؟
ـ ماذا عن أسئلتك التي لا تنتهي؟! القراءة أصلًا هي بحث عن المستجدَّات. حتى في قراءة التُّراث، القراءة الجادَّة محاولة لقراءة ما لم يُقرأ، أو قراءة جديدة لقديم. فالقراءة، التي تستحقُّ هذا المصطلح هي، إذن، بحثٌ عن الجديد، في القديم أو الحديث. ولذلك قلتُ إنَّ معظم القرَّاء لا يقرؤون بما تعنيه القراءة من معنًى!
ـ كيف تدلِّل على ذلك؟
ـ انظر إلى قراءتنا للتراث العَرَبي والإسلامي، مثلًا. لقد خلفَ من المسلمين خَلْفٌ جعلوا عاداتهم وتقاليدهم دِينًا، وصوَّروا طبائع أنفسهم المنغلقة المتحرِّجة في صورة التقوَى السلفيَّة، وما ذاك بدِين الإسلام السَّمح اليسير، ولا بتقوَى الرسول ولا المسلمين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، الذين من قرأ سيرتهم عجب كيف تشكَّل من هذا عبر العصور شيءٌ آخَر، شُوِّه ما شيء له أن يُشوَّه؟! حتى بات الابتسام شبهةً أحيانًا، والضحك إثمًا، وكثرة المزاح قِلَّة مروءة، قد تُعَدُّ من مبطلات العدالة لدَى بعض أهل الجرح والتعديل. مع أنَّ هذا بخلاف نهج الإسلام وسنَّة رسوله وصحابته، اللذين نقرأ فيهما أنَّ أَصحاب محمَّد كانوا يَتَمازَحُون، فإذا جاءَت الحقائق كانوا هم الرِّجال.
ـ هُم بَشَر كالبَشَر، وما جاء الدِّين ليجعلهم ملائكة، أو ليلغي طبائعهم وينفي غرائزهم وضرورات حياتهم، بل ليهذِّبها ويوجِّهها الوجهة الراشدة.
ـ ومن ذلك أيضًا أنَّها نشأت في بعض الأجواء الضيِّقة الهواء الاتجاهاتُ المتشدِّدةُ ضِدَّ أن تحظَى المرأة بحقوقها المشروعة. وهو ما لم يؤدِّ إلى تشويه الموقف من المرأة فحسب، ولكنه أدى أيضًا إلى ما هو أخطر، وذلك لإحداثه شرخًا في الثقافة والمجتمع: فإمَّا أن يسلِّم المرء والمرأة بأن ذلك الفِقه المتشدِّد هو المقصد الأوَّل والآخِر والنهائي، أو أن يضطرَّ إلى التمرُّد، أو أن يظلَّ في حيص بيص؛ إذ لا يرى نموذجًا آخَر للمرأة إلَّا النموذج الغربي المعاصر، الذي يمتهن بدَوره المرأة ويستغلُّها ذكوريًّا، وإنْ تحت شعار تحريرها. ذلك أنَّ النموذج السَّويَّ مغيَّبٌ تحت ركام من القراءات التراثيَّة والمعاصرة. فليس أمامك إلَّا النموذجان: النموذج المتشدِّد، ونقيضه الغربي، المستنسَخ وَفق معطياته وتاريخه هناك، في ثقافةٍ كانت تتساءل: تُرَى المرأة بَشَر؟ أم من زمرة الشياطين؟!
ـ وعليه، فأنت تتَّفق معي في أنَّ فضح المسكوت عنه (الذي فيه ظُلم) واجب في الأعمال الكتابيَّة؟
ـ نعم، ولكن هل يلزم بعد ذلك شرح تفاصيل المسكوت عنه على الملأ؟ هنا فسادٌ في فهم طبيعة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب. فكما رأينا أن مدرسة القراءة التقليديَّة السُّكونيَّة تنتظر من الكاتب أن يُعرِب لها عن تفاصيل كلِّ شيء، فلا تقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ لها عن كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، تمخَّضت تلك المدرسة القرائيَّة عن مدرسة كاتبٍ شبيه، يُلزِم نفسه بما ليس يلزمها، أن يَشرح للقارئ ويفصِّل، حتَّى يوشك أن يعرض له رسومًا بيانيَّة وصورًا إيضاحيَّة! بَيْدَ أنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة ووظيفتها إلى استدراجنا إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه والإغراء به! وهكذا، فإنَّ عمليَّة (كشف المسكوت عنه)، إنْ صدقتْ غاياتُ القائلين بها، سلاح ذو حدَّين، قد يكون إثمُه أكبر من نفعه.
ـ ألا ترَى معي أنَّ في العمل الأدبي جانبًا تطهيريًّا؟
ـ بلى، بالله، أرَى معك. وهذا يعيدنا إلى جدليَّة (أرسطو) و(أفلاطون) ومدينته الفاضلة. بَيْدَ أنَّ توظيف الأدب لمجرَّد التنفيس الذاتي، أو الثأر الشخصي، هو أسوأ ما يمكن أن ينزلق إليه أديب. من حيث إنَّ الأدب ليس «فضفضة». وبين حدَّي «الفضفضة» ومفهوم «التطهير» يقع الخلاف في فهم رسالة الأدب بين الناس منذ القِدم، وكلٌّ يتطرَّف إلى وُجهةٍ هو مولِّيها. لكن لا خلاف- إنْ من الناحية النقديَّة أو الأخلاقيَّة- على أنَّ مسؤوليَّة الكاتب الحقيقيِّ تحتِّم عليه أن لا يجعل نَصَّه مطيَّة ثأرٍ شخصيٍّ أو قَبَليٍّ- مهما وقع عليه من ظُلم- على غرار نقائض (جرير) و(الفرزدق) و(الأخطل) الفضائحيَّة- كي يشفي نفسه بنفث سمومها في نفوس الآخَرين. وذلك هو الوباء الثقافي الذي كثيرًا ما يحمله الأدب، شِعرًا ونثرًا، إلى المجتمعات، بحُسن نِيَّة أو بسوئها، حين تروق للكاتب أنانيَّةُ التطهير الفردي وإنْ على حساب التلويث المجتمعي. وهنا يستحيل النصُّ إلى مِنصَّة للتمييز العنصري، وبثِّ الكراهية، ونشر النَّعرات، وإشاعة التصنيفات، والتنابز بالألقاب. وهو ما يستلزم المساءلة الأخلاقيَّة والقانونيَّة، من السُّلطات الاجتماعيَّة والأمنيَّة. وقبل ذلك من (النقد الثقافي)، الغارق في مقارباته النسقيَّة خلال العصر الجاهلي أو العصر العباسي، منفصلًا عن جاهليَّات عصره وعبَّاسيَّاته الماحقة!
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)