علي عبدالله الخليفة
أُعلن مؤخرًا عن تأسيس جامعة الرياض للفنون بأمرٍ ملكي كريم، ويأتي تأسيسها امتدادًا لما توليه القيادة الحكيمة – أيدها الله – من اهتمامٍ بتطوير قطاع الثقافة والفنون والآداب، بإشراف وزارة الثقافة، سواء في الفنون التقليدية أو في إبراز الشخصيات التاريخية التي تركت أثرًا في ثقافة المجتمع وتاريخه، من خلال إنجازاتها وفنونها وآدابها وقصص حياتها. فهذه الشخصيات والمواقع التاريخية والثقافية بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الاهتمام، ولا يكتفى بلوحةٍ إرشادية لمواقعها فقط.
وللاستحضار، فإن الدور الكبير للشخصيات العالمية التي تركت أثرًا بالغًا وموقعًا تاريخيًا في بعض الدول جعلها معالم يُشار إليها بالبنان؛ ومن ذلك تمثال روميو وجولييت الشهير في مدينة فيرونا الإيطالية، وتحديدًا في فناء منزل جولييت. وعلى الرغم من أن المنزل والتمثال خياليان وغير حقيقيين، فإنهما يُعدّان من أشهر معالم المدينة.
والحقيقة أن روميو وجولييت مراهقان التقيا لقاءً عابرًا في حفل، لكنه كان مليئًا بالإعجاب، فقادهما سريعًا إلى الهلاك؛ حيث قررا الزواج سرًا في اليوم التالي، ولم يدركا أن هذه الخطوة ستؤجج الصراع بين عائلتيهما. وتحولت القصة إلى مأساة عندما قُتل ابن عم جولييت في مشاجرة عائلية، فنُفي روميو من المدينة، وأُجبرت جولييت على الزواج من شاب آخر. فكانت خطتها أن تتناول جرعة من السم تجعلها تبدو ميتة لتفادي الزواج، ولما علم روميو متأخرًا ظن أنها ماتت فعلًا، فشرب السم ومات. وكانت النتيجة عدة وفيات خلال أيام قليلة، بسبب قرارات متهورة وصراعات عائلية.
لذا فإن قصة روميو وجولييت تعكس سوء الفهم والتهور والعواقب الكارثية، وبالرغم من نهايتها المأساوية، فإن تمثاليهما يُعدّان مزارًا من أهم المعالم السياحية في إيطاليا، ويزورهما أكثر من مليون سائح سنويًا مقابل رسوم دخول.
وعلى الطرف الآخر في شبه الجزيرة العربية، سمعنا عن قصة أخرى لن تتكرر، ومن المهم تسليط مزيد من الضوء عليها، ليس لأنها صادقة فحسب، بل لأنها قصة حب عذري أيضًا؛ إنها قصة مجنون ليلى، التي وقعت أحداثها في جبل التوباد بمحافظة الأفلاج جنوب الرياض، في العصر الأموي، حيث نشأت أشهر قصة حب في الثقافة العربية.
نشأ قيس وليلى كابني عم، وكان عمرهما بين السابعة والثامنة، وتربيا معًا، وكانا يخرجان مع راعي الغنم إلى أطراف القرية، ويقضيان يومهما في اللعب والتسلية في طفولة بريئة. ولما كبرا، كان قيس يستذكر تلك الأيام، فيقول:
صغيرين نرعى البهم، يا ليت أننا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
وكانا يمضيان يومهما في الرعي واستكشاف جبل التوباد، الذي تحوّل اليوم إلى معلم تاريخي، رغم قلة إمكاناته، وداخله غار يُعرف بـ(غار قيس وليلى)، يدخله الزوار ليكتبوا أسماءهم وذكرياتهم.
وفي الحقيقة، لم تقتصر طفولتهما على الرعي واللعب، بل حفظا القرآن ودرسا الشعر واللغة والأدب. وحين كبرا، فرّقتهما العادات العربية التي كانت قد جمعتهما في الصغر؛ إذ احتجبت ليلى عن الناس، وأصبحت تلازم بيتها مع نساء الأسرة.
وحين يئس قيس من لقائها، ارتكب الخطأ الذي كلفه مستقبله؛ إذ بدأ ينظم الشعر في حبها، وأعلن ذلك بين الناس، وكان هذا خطأً فادحًا، إذ لم تكن القبائل تُزوّج بناتها لمن يذكرهن علنًا، لما في ذلك من مساس بسمعتهن. فسارع والدها بتزويجها من رجل آخر من الطائف.
فكان قيس يقف على الأطلال وينشد:
أمرُّ على الديار ديارِ ليلى
أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الديار شغفن قلبي
ولكن حبُّ من سكن الديارا
أما ليلى، فبعد زواجها وابتعادها عن ديار أهلها، مرضت، وأخذت تنتقل بين البلدان بحثًا عن العلاج، حتى وصلت إلى العراق. ولما بلغ خبرها قيسًا، قال:
يقولون ليلى في العراق مريضة
ألا ليتني كنت الطبيب المداويا
وظل يهيم في حبها وينظم القصائد حتى مات – رحمه الله – عن عمر ناهز الثالثة والأربعين، في قصة حب تُعد الأطول، إذ استمرت نحو خمسة وثلاثين عامًا. وبقيت قصته وقصائده الغزلية من الأشهر في الأدب العربي؛ فقد كتب الشاعر أحمد شوقي أوبريتًا غنائيًا عن قصته، كما جُسدت في أعمال مسرحية وسينمائية، ودُرست سيرته وأدبه في العديد من جامعات العالم.
لذا، فإن فكرة إقامة مهرجان سنوي لإحياء هذه المواقع وهذا الإرث، عبر إبراز أطلالهم ومساكنهم، مع وجود رواة يسردون قصصهم وقصائدهم، وعروض مسرحية تجسد تلك الأحداث، إلى جانب تجمع الشعراء والأدباء، وتقديم الفنون الشعبية والفعاليات المتنوعة، تُعد فكرة رائدة من شأنها أن تسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة.
كما يمكن تعميم الفكرة على شخصيات تاريخية أخرى مثل عنترة، وكُثيّر عزة، وجميل بثينة، وزهير بن سلمى، والأعشى، وحاتم الطائي وغيرهم، بحيث تكون لدينا مزارات سياحية متعددة تروي قصصهم ضمن فعاليات سنوية، مما يعزز من القيمة الثقافية والسياحية، ويحقق عوائد اقتصادية تتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.