سليم السوطاني
نهش القلقُ قلبَه، وعصر روحَه حتى أنهكها..
منذ عامٍ وهو غارقٌ في كآبةٍ لم يتعافَ منها، تأكُلُه اضطراباتٌ تعبث بعقله.
ذات مساء، أغلق على نفسه باب مكتبه... ترنّح في خطواته على غير عادته، كأنّ ثِقلاً خفيًّا يقيّدها.
أحسّ بشيءٍ يتسلّل إلى أعماق روحه، فارتعش جسده... حاول جاهدًا أن يطرد الأفكار الشيطانية التي بدأت تستولي على تفكيره.
نفض غبار حزنه، وعدّل هندامه، ورشّ العطر على ثيابه، ثم جلس على الأريكة.
نهض متجهًا إلى المنضدة البائسة عند مدخل المكتب، حيث كومةٌ من أوراقٍ متناثرة. وقبل أن يبلغها، أخذ يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا، كأنه يفتّش عن فكرةٍ يريد اصطيادها. توقف في منتصف الغرفة، ثم عاد إلى الأوراق البيضاء. أمسك بالقلم، فارتعشت يده عند الكتابة. لم تسعفه جملةٌ محددة، فانسكبت عبارةٌ غريبة:
«أنا لست إنسانًا طبيعيًا؛ أرى الموت يرتسم على وجوه الآخرين، ثم تزهق أرواحهم. لا أستطيع فعل شيء، ولا أجرؤ على إخبار أحد بعلامات الموت التي أراها تسبق رحيل الإنسان بأشهر… يبدو أنني…».
توقّف، وترك عبارته مبتورة.
شعر بدوارٍ يلفّ رأسه، وتصبّب العرق من جبينه. صرخ: «يبدو أنني أهذي»! وأمسك بصدغه، ثم استرخى على الأريكة.
حدّق في سقف الغرفة، فإذا به يتراءى له كأنه شاشةٌ تعرض حياته القادمة؛ رأى نفسه هناك، يتحرّك بخفّة، وقد تبدّلت هيئته... ظلّ السقف يعرض مشاهد لم يعشها، وأناسًا لا يعرفهم يتحدّثون إليه... أغمض عينيه حين عجز عن فهم ما يحدث له، ولم يجد له تفسيرًا.
لم يدم سكونه طويلًا؛ إذ تسارعت أنفاسه، وتلاحق خفقان قلبه، فبدّد لحظة الهدوء.
فتح عينيه ليواصل التحديق، فلاحظ أنّ الزمن في تلك الصور قد تغيّر، وأن ملامحه أخذت تشيخ، وظهر الوهن على قامته التي احدودبت قليلًا.
همس بتعب: «كم أنا منهكٌ من هذه الليلة وما يحدث فيها». ثم ضرب بيده المزهرية التي إلى جواره، فتحطّمت، وتناثر زجاجها، فإذا بأجزاءٍ من صورته تنعكس في حطامها، كأنها بقايا وجهٍ معلّق في السقف.
دبّ الفزع في قلبه وسائر أطرافه، وسرت في جسده رعشةٌ عاتية. همّ بالبكاء، لكنه لم يستطع النطق بكلمة، كأنّ ريحًا هوجاء هبّت عليه، فحملته وقذفت به من نافذة مكتبه في الدور الثالث. سقط صريعًا على قارعة الطريق، بلا حراك، إلا من حشرجةٍ خافتة أعقبها صمتٌ موحش. توقّف كل شيء في لحظة.
وبقيت الورقة البيضاء، تحمل آخر عباراته:
«أنا لست إنسانًا طبيعيًا…».
لغزٌ لم يستطع أحدٌ فكّ شفرته.
وفي محضر الوفاة كُتب:
«اكتئابٌ قاده إلى الجنون، ثم إلى الهلاك».