علي حسين (السعلي)
أنثر لكم سردًا حكائيًا، أقصّ شريط حروفه بدءًا من بحر جدة، إلى أن يلفّني السحاب بـ”ساق الغراب”. وبالمناسبة، فإن “ساق الغراب” مصطلح دارج يُطلق على منطقة تمتد من الطائف إلى أرض الجنوب.
تنطلق روايتي من دعوة وصلتني من مقهى “بوكا” الثقافي بمدينة الباحة، لإقامة أمسية إعلامية أسميتها: “المقالة من وجهة نظر سعلية”. أما المصادفة التي كنت حريصًا عليها، فهي ابتعادي عن قريتي “خيرة” ببلاد زهران؛ تلك القرية الساكنة في أحضان الجمال، بغاباتها، وقراها، وأهلها الطيبين “وناسها العزاز”.
وبصراحة، فإن ما جعلني لا أحرص على زيارتها منذ سنوات، وعدم الاستمتاع بجمالها شتاءً وصيفًا، هو ضربتان موجعتان في رأسي: الأولى فقد زوجتي، أم أولادي، والثانية رحيل والدي، الذي كسر ظهري فراقه. عليهما من الله الرحمة والمغفرة. لذلك لم أكن متواجدًا فيها، إذ كنت محطمًا نفسيًا. وليس ذلك ردًّا للقدر – والعياذ بالله – فأمر الله نافذ، والحمد لله، لكن عبق الأماكن يعيد إليّ هذا الفقد كأنه يحدث الآن!
لكن، منذ أن تلقيت دعوة هذا المقهى الثقافي، لبّيت الدعوة فورًا دون تردد، بل ربما لأرضي غرور باحتي، وأقبل عتابها، وأقبّل وجنتيها حتى ترضى عني لغيابي عنها. وليتها تستقبلني بفرح وترحاب، وأجدد العهد بيننا حبًا وعشقًا وهيام عاشقٍ بمعشوقته؛ كالعريس الذي يود أن يرى عروسه ضاحكة مستبشرة. غير أن الخوف كان يساورني من أن تصدّني باحتي، وأنا العاشق الولهان بها.
وفي صباح ذلك اليوم، حضرت مع ولدي حفل تخرجه من جامعة جدة، وأمّه – بإذن الله – في جنات النعيم، تسبح في أنهارها. فكنت حاضرًا معه، أشاركه فرحته بحنان أم، وفخر أب. كان صباحًا مليئًا بالشجن والشوق.
المهم، وحتى لا أطيل عليكم، ففي ظهر جدة ودّعت بحرها، وصوت النوارس في أذني يوصيني ألا أنسى البحر عند لقاء الغيم. وكنت بين ذكريات فراق باحتي وعودتي إليها بعد سنين عجاف؛ فالذكرى إن عادت أنست خاصرة الحاضر، وغفت على راحتي المستقبل!
هنا أتى نسيم “بني عدوان”، أول إطلالة للباحة، يرفرف على وجوهنا، ويحرّك رموشنا أنسًا، ويسبح في خيالنا عمقًا؛ كأن الضباب يصافح قلبك، ويعطّر خدّك، ويمنّي نفسك، والحرف يرقص على سطرك. حتى ترى صناديق الرمان في محلاتها تزيّن كفّك.
أعجبني مدخل “الأطاولة”، كانت سيارتي تسير كأنها بلا سائق، وأنا أترك لبصري متعة الدهشة، خصوصًا عند قلعة “بخروش بن علاس”، وقرية “موسى” التراثية. وهكذا تكون السياحة وأنا على الطريق، فكيف بمن تجوّل بين هذه الآثار؟!
بدأت الأمسية، وتناثرت الحروف من فمي ورودًا، والسحاب يداعبني داخل خيمة اللقاء، والحضور مستمعون مستمتعون. حقًا، الباحة تغيّرت، وأصبحت عروسًا يودّ الجميع خطبتها. وكانت منسقة الشريك الأدبي، إيمان، مثالًا للأدب وثقافة الكرم وشموخ بنت البلد؛ تصول وتجول. أنا فخور ببنت باحتي، ومفتخر بهذا الحضور الكمي والنوعي.
(سطر وفاصلة)
إن زيارة الأماكن التراثية في مناطق مملكتنا واجبة على كل سعودي. اكتشفوا جمال السعودية، اذهبوا واستمتعوا، ولا تحرموا أنفسكم حسن المملكة وطيبة أهلها. فأنا وأنتم عنوان لسعوديتنا. املؤوا مناطقنا بالحياة، وأثبتوا للعالم أننا نفتخر بالسعودية، وأن رؤية سمو سيدي ولي العهد، محمد بن سلمان، تتحقق في كل منطقة من سعوديتنا الجديدة.