عبدالعزيز بن سليمان الحسين
شهدتْ الرياض في منتصف التسعينات الهجرية تحوّلًا عمرانيًا لافتًا، انتقلت خلاله كثير من الأسر من بيوت الطين إلى الفلل الحديثة. ولم يكن ذلك التحوّل مجرد تغيير في مواد البناء أو سعة المسكن، بل كان انتقالًا ثقافيًا حمل معه ذائقة جديدة في التصميم، مع احتفاظٍ واضح بجوهر الحياة الاجتماعية وروح الضيافة.
اتسمت الفلل آنذاك باتساع مساحاتها وحرصها على إظهار الهيبة في واجهاتها؛ فبرزت حول الشبابيك تشكيلات معمارية تُعرف بـ«السكاكين»، وتقدَّمت بعض الفلل ببلاكونة أرضية تقابل المجلس، فيما تعلو الأسوار بوابات تُسمّى «برندات» ضخمة. أما سترة السطح فتنوّعت بين القرميد أو الأشكال المقوسة، في تعبيرٍ واضح عن الميل إلى تضخيم الواجهة وإبرازها بصريًا.
في الداخل، كانت الإضاءة عنصرًا لافتًا، تتدلّى عبر ثريات فخمة تميل إلى الضخامة، فيما يبرز الجبس المشكّل فيما يُعرف بالكورنيش والأزياق كجزء من هوية السقف والجدران، مزدانًا بزخارف جدارية ملوّنة. وتميّزت المجالس بكنبات كبيرة، وستائر قماشية بألوان تراثية أو سادة، وألوان داكنة وأقمشة مشجّرة، تعكس ذائقة تلك المرحلة في الفخامة والامتلاء البصري. كما كان من الشائع أن يكون للمجلس لون مستقل عن المدخل، في نوع من الفصل الجمالي بين الفضاءات.
وتكتمل تفاصيل الغرف بوجود النجفات الجدارية والثريات المعلّقة من الزجاج الملوّن، إلى جانب الفوانيس التي تزيّن الأركان. أما الغرف المقابلة للمجلس، أو ما يُعرف بالمقلط، فكانت تُجهّز بمساند وفرش ومراكي، لتكون مجلسًا عائليًا وغرفة طعام للضيوف، وغالبًا ما تحتضن تلفزيونًا كبير الحجم يُشبه الدولاب، وإلى جواره «مكتبة» تُعرض عليها بعض الكتب والتحف، في مزيجٍ بين البساطة والرمزية الثقافية.
ولم تغب العناية بالمساحات الخارجية؛ إذ حظيت الحدائق باهتمام خاص، تُخصّص فيها جلسة مسائية تُعرف بـ«الساحة»، مع حضورٍ شبه ثابت للنخيل، الذي عُدّ عنصرًا أساسيًا في هوية المنزل. وعلى السطح، كانت تُستغل المساحة لغرف متعددة؛ مستودع وغرفة للعاملة، فيما كانت غرفة السائق أقل شيوعًا لعدم انتشار تلك الثقافة حينها.
أما من حيث التشطيبات، فقد غلب استخدام الموكيت الكامل « الفرش « في تغطية الأرضيات، مع قلة الاعتماد على الرخام، بينما اقتصر استخدام السيراميك والكاشاني على دورات المياه والمطابخ. وكان بلاط «كسر الرخام» خيارًا شائعًا للأرضيات، حتى السلالم تُكسى به. كما أُحيطت النوافذ، العلوية والأرضية، بشبوك حديدية، في توازنٍ بين الأمان والخصوصية.
بهذه التفاصيل، شكّلت فلل منتصف التسعينات الهجرية موروثًا عمرانيًا واجتماعيًا متفردًا، جمع بين حداثة البناء آنذاك وعمق القيم المتوارثة، لتبقى شاهدًا على مرحلةٍ صنعت ملامح مدينةٍ وهي تتجه نحو مستقبلها، دون أن تتخلى عن جذورها.