خالد الأنصاري
أهدى إليَّ الشيخ الوفي، والصديق العزيز، فضيلة الشيخ سعد بن محمد المهنا - رئيس المحكمة العامة بالدمام سابقًا - كتاب والده الصادر حديثًا في طبعته الأولى (1447هـ - 2026م)، والذي بعنوان “الذاكرة”، لمؤلفه فضيلة الشيخ المحسن محمد بن سعد بن ماجد المهنا - شفاه الله تعالى وعافاه -، والذي يتحدث فيه عن قصة كفاحه ومعاناته، وتحقيق طموحه وإنجازه، بسرد توثيقي ماتع، مرتبطٍ بتجربته الشخصية، مقرونٍ بالسياق التاريخي للمواقف والأحداث؛ مما جعل مادته “سيرةً ذاتيةً تاريخيةً” لرجل عصامي، وجعل من مؤلفه «شاهدًا على العصر» في حقبة تاريخية مهمة، قلّ من كتب عنها ممن عاصرها.
ويقع الكتاب في (250) صفحة، و(14) فصلًا - بعد المقدمة -، وهي على النحو التالي:
الفصل الأول: التاريخ والحياة والناس في البَرَّة.
الفصل الثاني: تاريخ أسرتنا ونسبها.
الفصل الثالث: والدي سعد بن ماجد المهنا.
الفصل الرابع: مولدي وذكريات طفولتي في البَرَّة.
الفصل الخامس: الأمراض والآلام والأحزان تعصف بأسرتنا.
الفصل السادس: حياتنا في البَرَّة بعد طلاق أمي.
الفصل السابع: رحلاتي إلى الرياض بمعية والدي.
الفصل الثامن: تجربة العمل مع سليمان الشعيبي في الرياض.
الفصل التاسع: بين الرياض والبَرَّة مع أبي وأخي أيام الألم والصبر والمعاناة.
الفصل العاشر: من حرب فلسطين إلى قصة زواجي.
الفصل الحادي عشر: أحداث حياتي ما بين آخر عهد الملك عبدالعزيز وبداية عهد الملك سعود.
الفصل الثاني عشر: قصتي في التطوير العقاري الناجح، والتوكل على الله بالمخاطرة والإقدام.
الفصل الثالث عشر: أحداث حياتي ما بين وفاة والدي وزواجي الثاني.
الفصل الرابع عشر: أغلى من الحب.. أنا وأخي ماجد جسدان بروح واحدة، وتراجم رفاق الدرب.
وذكر في مقدمة هذا الكتاب “الذاكرة” أبرز الأهداف من تأليفه:
1- تعداد نعم الله وشكرها.
2- برًّا بوالديّ وآبائي وأمهاتي، وصلةً لأقاربي وأرحامي.
3- وفاءً لأشخاص عاصرتهم أو صحبتهم وعملت معهم، ذهبوا ولم يكتب أحد عنهم.
4- ذكر قريتي وبلدتي العزيزة على قلبي (البَرَّة).
5- حديثًا لهذا الجيل والأجيال القادمة؛ بذكر بعض ما مرّ بآبائهم وأمهاتهم وأهلهم؛ ليستلهموا العبر والدروس.
6- تذكيرًا بحياة من عاصرتُ من الآباء، فهي جديرة بالتدوين، وحقّ علينا لهذا الجيل أن يسمعها من أهلها؛ لأن قلة من الآباء ممن عاصرتُ هم من كتبوا عن حياتهم.
والكتاب مليء بالعديد من الأماكن والبلدان، والقصائد، والمواقف، والتجارب، والذكريات، والشخصيات. وأذكر من ذلك - على سبيل المثال والانتقاء - ما يلي:
البرة تاريخ ودلالة:
يذكر المؤلف في مستهل كتابه بلدته (البَرَّة)، والتي تقع شمال غرب الرياض، فكانت موضع مولده ونشأته، ومحضن ذكريات طفولته وشبابه، على حد قول ابن الرومي:
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ
مآربُ قضّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمُ
عهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا
ثم ذكر تضاريسها ووديانها ومزارعها، وأبرز الأسر التي تقطن هذه البلدة وما جاورها من البلدان، ومناصرة أهلها لدعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب (ت 1206هـ).
وتطرق لسبب تسميتها (البَرَّة)، واشتقاق هذا الاسم من أمرين:
الأول: مشتق من البِرّ، وهو الخير وصنع المعروف، وأرجع ذلك إلى ما تحلّى به أهلها من حب الخير والسعي فيه.
الثاني: مشتق من البُرّ، وهو نوع معروف من الحبوب، وقد اشتهرت البلدة بزراعته.
تحدث عن أسرته «المهنا» ونسبها وتنقلاتهم، وبعض القصص الملهمة عن كرم أعمامه ووالده وجده ماجد - رحمهم الله -، وحبهم للمساكين ونصرتهم للضعفاء، وما تعلمه من والده شخصيًا من مواقف وكرم، ولا سيما خصاله الأربع المأخوذة من الجد ماجد - رحمه الله -، وهي:
1- رقة القلب والرحمة.
2- إيمانه بالله ومخافته في كل شيء.
3- تحمّله المشاق وتجاوز الصعاب.
4- الرضا بما كتبه الله له، والقناعة بما في يده، والتوكل عليه.
تطرق للعديد من القصص والمواقف عن والده ووالدته وإخوته وحياته، وبعض المواقف المؤلمة والمحزنة، والتي لم أتمالك معها عبرتي عند قراءتها وأخذ العظة والعبرة منها.
تحدث عن حياته في (البَرَّة)، وعمله مع والده - رحمه الله - في المزرعة على السواني، وقد ذكر مظاهر شهر رمضان والعيد في البلدة؛ حيث لم يكن هناك من يستطلع الهلال أو يبلغهم بدخول الشهر، وإنما يأتيهم الخبر من الرياض، وذلك بمرور سيارة تبلغهم بدخول شهر رمضان، وقد يفوتهم صيام يوم من رمضان دون أن يعلموا بحلوله، وكذلك عيد الفطر لا يعرفون بقدومه إلا في اليوم الأول أو الثاني.
من المواقف التي ذكرها قصة مرور الملك عبدالعزيز - رحمه الله - بالبَرَّة عام 1361هـ، حيث يقول عنها: «أحببت الملك عبدالعزيز منذ رأيته لأول مرة في صباي، وتعلقت بذكراه طوال حياتي».
ومن المواقف أيضًا التي لفتت نظري قصته في محاولة الاستبسال للمشاركة مع المتطوعين من أهل (البَرَّة) في حرب فلسطين عام 1367هـ - 1948م
ذكر قصته مع التطوير العقاري، وبها العديد من مواقف الأمانة والنبل والشهامة، والتي لا تصدر إلا من رجل مؤمن يخشى الله عز وجل ويتقيه.
وختم هذا الكتاب بحديثه عن علاقته بأخيه ماجد - رحمه الله -، والذي وصفه بتوأم روحه، وذكر ما كان بينهما من محبة ورحمة وثقة وتقدير وتسامح ووفاء.
وأعقب ذلك بعدة تراجم لرفقاء دربه ممن فارقوا هذه الحياة - رحمهم الله تعالى -، ومنها ترجمة لفضيلة الشيخ سليمان بن عبدالله المهنا، رئيس المحكمة الكبرى بالرياض، كتبها ابنه الداعية الشيخ محمد المهنا.
ويعد هذا الكتاب «الذاكرة» تجربة ثرية للتاريخ والذكرى، لما يحتويه من ذكريات وتجارب وقصص ومواقف ملهمة، وصور إيمانية كثيرة، تشحذ الهمم لبلوغ القمم، وتتربى عليها الأجيال.
فبعض الذكريات والمواقف الجميلة في «الذاكرة» لا تفارقنا، بل تسكن أرواحنا ولحظاتنا، وهناك مسافات تقطعها القلوب شوقًا، ولا تدري الأقدام عنها شيئًا:
وبعض الذكريات إذا استُثيرت
أجاب الدمعُ وانقطع الكلامُ
وأخيرًا، أشكر لأخي الشيخ سعد المهنا إهداءه لي هذا الكتاب الرائع والمفيد، وأدعوه أن يحذو حذو أبيه في كتابة تجربته في «القضاء، والوقف الإسلامي، والأعمال الخيرية والتطوعية».
من أفضل الهدايا وأعظمها أثرًا إهداء الكتاب؛ فهو يبقى والهدايا الأخرى تنتهي: فالعطر يتبخر، والطعام يؤكل، والورد يذبل، ويبقى أثر الكتاب، وربما يكون معلمًا لرسم حياة، وتعلّم علم، ونفحة عبير دائمة.