خالد محمد الدوس
مدخل:
في عالم متغير تتصادم فيه التحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية..
هل تساءلنا يوماً لماذا تتغير عاداتنا وقيمنا بهذه السرعة..؟! أو كيف تشكلنا التكنولوجيا وتعيد تعريف علاقاتنا..؟
هذه الزاوية الثقافية الأسبوعية لا تكتفي بوصف التحولات من حولنا، بل تحمل منهج «علم الاجتماع». ليطرح الأسئلة الجوهرية عليها....
نحن هنا لنسبر أغوار الظواهر الاجتماعية والثقافية الخفية، ونحولها إلى نقاش (ثقافي اجتماعي) واضح مع أحد الخبراء والباحثين في ميدان علم الاجتماع. نحاول مقاربة هذه الاستفهامات بعيدا عن الإجابات الجاهزة..!
ضيفتنا في هذه الزاوية الثقافية: د. نورة الحمودي أستاذ علم اجتماع والاتصال المشارك بجامعة الملك عبد العزيز، نحّول العدّسة لرؤية العالم الاجتماعي كما يراه علماؤه: نظاماً معقداُ من المعاني والقوى والصراع..
طرحنا عليها بعض (التساؤلات) بعد أن تم أنّسنة علم الاجتماع ليكون محاورا افتراضيا يٌحمل المُجيب (مسؤولية مضاعفة)،فكانت الإجابة -وكما تقول أستاذة علم الاجتماع الاتصالي ما يلي:
* على ضوء تخصصك في علم اجتماع الاتصال، كيف ترين تأثير منصات التواصل الاجتماعي على «نوعية» التفاعلات الأسرية داخل المنزل؟ هل زادت العزلة أم خلقت أنماطاً جديدة للتواصل..؟
- بدايةً، من المهم التأكيد على أن منصات التواصل الاجتماعي ليست العامل الوحيد المسؤول عن تغير نوعية التفاعلات الأسرية أو عن زيادة العزلة - إن وُجدت-. فالمجتمع السعودي شهد خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في الأنظمة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، أسهمت بشكلٍ كبير في إعادة تشكيل أنماط التفاعل داخل الأسرة.
ففي السابق، كان الحوار الأسري يدور حول تجارب مشتركة يعيشها جميع أفراد الأسرة، مما أسهم في تكوّن رموز لفظية موحّدة عزّزت الشعور بالتوحد الثقافي.
أما اليوم، فقد أفرزت التحولات المتسارعة اختلافاً في الخبرات والاهتمامات بين الأجيال، حيث يعيش كل جيل - بل وكل فرد - عالماً رمزياً خاصاً به، وهو ما قد يؤدي إلى قصور نسبي في فهم الرموز المتبادلة أثناء التفاعل الأسري، ولا يعود هذا القصور لمنصات التواصل وحدها بقدر ما يعود لتأثير هذه التحولات على الرموز اللفظية وغير اللفظية المستخدمة في التواصل.
وبهذا، لا يمكن القول إن العزلة قد زادت بشكل مطلق، بل إننا أمام إعادة تشكيل لطبيعة التفاعل الأسري، حيث يبقى التحدي الحقيقي في قدرة الأسرة على الحفاظ على عمق العلاقة وجودتها، لا مجرد استمرار التواصل في حدّه الأدنى.
* مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، هل نشهد ولادة «أدوات تواصل» تفتقر إلى الذكاء العاطفي، وكيف سيؤثر ذلك على تعاطف الأفراد في الفضاءين الرقمي والواقعي؟
- أرى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الذكاء الاصطناعي بوصفه العامل المؤثر الوحيد، بل في شخصية الإنسان ومنطقيته في التعامل مع ما يمر به من مواقف؛ إذ إن هذه الشخصية هي التي توجه طريقة استخدامه لهذه التقنية. فقد يوظفها الفرد بشكل واعٍ لفهم من حوله وتحسين جودة التواصل والتفاعل معهم، وقد يستخدمها بشكل غير واعٍ للحصول على ما يمكن وصفه بـ»مهدئ عاطفي»، عبر محاولة التحكم في آلية استجابة الذكاء الاصطناعي للحصول على دعم مؤقت دون معالجة جذرية للمشكلة.
وفي حال البحث عن حلول أعمق، تظل هذه التطبيقات محدودة بحدود بنيتها، إذ لا تمتلك القدرة على إدراك الأبعاد الثقافية والاجتماعية الخاصة بكل مجتمع، ومنها المجتمع السعودي، بما يتضمنه من خصوصية في أنماط التفاعل والتاريخ الاجتماعي للعلاقات.
وبالتالي، فإن تعاطف الأفراد في الفضاءين الرقمي والواقعي لا يمكن فصله عن شخصية الإنسان ذاتها، والتي تتشكل عبر تفاعل معقد بين العوامل الذاتية والخارجية، كالتنشئة الأسرية، والرفاق، ووسائل التواصل.
* كمتخصصة في علم الاجتماع الاتصالي، كيف تؤثر خوارزميات منصات مثل تيك توك وسناب شات في تشكيل هويات الشباب؟ هل نرى مجتمعات أكثر تخصصاً أم أكثر تجزؤاً؟
- بلا شك، تؤدي الخوارزميات في هذه المنصات وغيرها دوراً يتجاوز عرض المحتوى إلى المساهمة في تشكيل الوعي والهوية. فهي لا تقدّم للفرد ما يبحث عنه فقط، بل تعيد توجيه انتباهه بشكل مستمر نحو أنماط محددة من الاهتمامات، مما يعزز ما يمكن تسميته بـ»دوائر الاهتمام المغلقة».
وتكمن إشكالية هذه الدوائر في أنها قد تعزل الفرد تدريجياً عن منظومته القيمية الأوسع، من خلال تعريضه المتكرر لأنماط محددة من المحتوى، قد تُسهم في تشكيل قيم لا تنسجم بالضرورة مع القيم الاجتماعية العامة؛ وهو ما قد يؤدي إلى نوع من الانفصال القيمي عن المحيط الاجتماعي، وينعكس على انخفاض مستوى التفاعل مع الآخرين، خاصة غير المتشابهين معه.
لكن في المقابل، لا يمكن النظر إلى هذه العملية بوصفها سلبية بشكل مطلق؛ إذ تسهم هذه الخوارزميات في تمكين الأفراد من اكتشاف اهتماماتهم والتعمق فيها، مما يعزز الإحساس بالتميّز والانتماء إلى مجتمعات رقمية تشاركية.
* في رأيك، كيف يمكن للفرد أن يحافظ على «خصوصيته الثقافية» وهو يعيش حالة من «التخصص المفرط» في اهتماماته الرقمية؟ وأين دور الأسرة في ذلك؟
- في هذا السياق، يبرز دور ما يُعرف بمؤسسات التنشئة الاجتماعية، كالأُسرة، والمدرسة، والمسجد، وجماعة الرفاق؛ حيث تمثل هذه المؤسسات الإطار الذي يُسهم في ترسيخ الهوية الثقافية الأساسية للفرد، ويمنحه مرجعية يعود إليها في ظل هذا التخصص المفرط في الاهتمامات الرقمية.
فالفرد اليوم لا يعيش انفتاحاً معرفياً فقط، بل يعيش أيضاً حالة من الانتقاء الحاد للمحتوى، وهو ما قد يضعف ارتباطه بمنظومته الثقافية الأوسع إذا لم تكن هناك روافد مستمرة تعزز هذه الهوية. وهنا يأتي دور الأسرة بشكل خاص، ليس بوصفها جهة رقابية، بل كبيئة حوارية تُمكّن الفرد من فهم ما يتعرض له من محتوى، وتربطه بقيمه الثقافية.
كما ينبغي ألا يغيب دور المسجد في تعزيز الهوية وإشباع الجانب الروحي لدى الفرد، وهو جانب قد يضعف في ظل ما تبثه بعض وسائل التواصل من أنماط محتوى لا تنسجم مع القيم الدينية والاجتماعية التي تميز المجتمع السعودي.
بالعموم يمكن القول إن الحفاظ على الخصوصية الثقافية لا يعني الانغلاق، بل القدرة على التوازن بين الانفتاح الرقمي والارتكاز على هوية ثقافية مستقرة، بحيث يحيط الفرد نفسه بما يعزز انتماءه الثقافي، مع احتفاظه بمساحته الخاصة في الاهتمامات والتجارب.