عبدالله العولقي
شهدت مصرُ خلال القرن العشرين الميلادي نهضة ثقافيّة نوعيّة، حيث تصدّر المشهدُ الثقافي نخبة منْ كبار الكتاب والمفكرين كان لهم إنتاج وفير من الكتب والمؤلفات، وكان لهذا الحراك الثقافي أثره العظيم في البيئة الثقافيّة هناك، فكان منْ ضمن ذلك الأثر أنْ نشأتْ بين الكتاب والمثقفين سجالاتٌ فكريّة ضارية ومعارك صحفية عنيفة! اندلعتْ بعضها بدافع الغيرة والحسد! واستعرت غيرها طلباً للذيوع والشهرة! بينما شبّت الجادّةُ منها من أجل الانتصار للمبدأ! وفي هذا المقال سنلقي الضوء على أهمّ تلك السجالات الفكريّة بين هؤلاء النخبة الكبار!
لقدْ دوّن الكاتبُ أنور الجندي العديد من تلك الحروب الثقافيّة في كتابه الشهير (المعارك الأدبيّة)، وهناك كتبٌ أخرى تعرضت لهذا الموضوع سيأتي ذكرها من خلال سياق الحديث، ويُعدُّ العقادُ منْ أشهر فرسان تلك المعارك الأدبيّة، وأول معاركه كان (كتاب الديوان) الذي أصدره مع زميله عبدالقادر المازني حيث صبّ الناقدان جام غضبهما على مدرسة الإحياء الشعريّة، وكان لأمير الشعراء أحمد شوقي نصيب الأسد من تلك الحملة المسعورة! فقد كان شوقي في تلك الفترة في قمّة مجده الأدبي! ولهذا رأى بعضُ الباحثين أنّ هدف العقاد الخفي كان الصعودُ إلى القمّة على أكتاف شوقي! وإنْ كان الأمرُ كذلك، فقدْ نجحَ العقادُ في مهمّته أيّما نجاح، وأصبح بعد هذا النقد علماً منْ أعلام الأدب والفكر العربي!
ومنْ أشهر معارك العقاد أيضاً تلك التي تأجّجت نيرانها مع الأديب مصطفى صادق الرافعي، حيث هبط مستوى الأديبان الكبيران في اللغة إلى درجةٍ مأسوفة! حيث ألف الرافعي كتابه (على السفود) وصوّر نفسه وكأنه يشوي لحم العقاد! وقدْ كتبه بلغة لا ترقى إلى اللغة المعهودة عنه في سمو اللفظ والمعنى! فردّ عليه العقاد بمقالة ساخرة شهيرة عنوانها (المهذار الأصم) يتنمّرُ بها على عاهة الصمم التي كان يعاني منها الرافعي!
وعندما نشرَ الرافعي نقده اللاذع لنشيد أمير الشعراء أحمد شوقي الذي مطلعُه:
بني مصرَ مكانكمُ تهيّا
فهيّا مهّدوا للمُلكِ هيّا
تصدّى له العقادُ بمقالةٍ ساخرةٍ بعنوان: ما هذا يا أبا عمرو؟ وكأنّه لا يريد أحداً أن ينافسه في نقد شوقي! ويرى الكثيرون أنّ العقاد في نقده عموماً يتجاوز الصواب! حيث تتصف عباراته بالسخرية اللاذعة، والهجوم العنيف! لكنّ العجيب في هذه الحادثة، أنّ الزمان دارَ دورته! وأصبح الرافعي منْ أشدّ المعجبين بشوقي والمنافحين عنه! وقد قضى العقاد معظم حياته محارباً شرساً وعنيفاً في حروبه الثقافية، وقدْ جمع ابنُ أخيه عامر العقاد كلّ تلك السجالات في كتاب أسماه: معارك العقاد الأدبية!
أمّا طه حسين فيرى بعض الباحثين أيضاً أنّ بدايته لا تختلف عن بداية العقاد! فقدْ بدأ حياته الأدبيّة بالهجوم على القمم الأدبية في زمنه! حيث يذهب كثيرون أنّ السبب الخفي في شهرة طه حسين مبكراً هو هجومه الشرس على مصطفى لطفي المنفلوطي الذي كان متصلاً بكبار القوم حينها مثل الإمام محمد عبده والشيخ علي يوسف! لهذا كان الهجوم على شخص المنفلوطي منْ شأنه أنْ يلقي الضوء على صاحب الهجوم! وقد قسى طه حسين في نقده على المنفلوطي مثلما قسى العقاد على شوقي! لكنّ طه حسين في آخر حياته ذاق من نفس الكأس! فقد استقال سكرتيره فريد شحاته من العمل معه بعد أنْ قضى عنده حوالي أربعين عاماً! كان بمثابة الابن عند أبيه! لكنّ الصدمة جاءت عندما أصدر فريد شحاته كتاباً أسماه (طه حسين الذي لا يعرفه أحد) وفيه يقول: إنه قد آن الأوان لتحطيم هذا الصنم الذي يعرفه الناس باسم طه حسين! بعد تقديسٍ استمرّ نصف قرنٍ من الزمان أو يزيد! فأنا أقدم هنا للناس الوجه الآخر لطه حسين، وعلى ملامح هذا الوجه سوف يقرؤون الكثير! لقد كان هذا الكتاب بمثابة القنبلة في وجه طه حسين الذي ردّ على الكتاب وصاحبه في مقالات متعددة يقول في أحدها: لا يتصوّرُ أيّ إنسانٍ هذا الجحود أكثر من أربعين سنة معي! وبعد ذلك يقول إنه كان يؤلف لي، وبأني سرقت ما كتبت من الأجانب! إنني لا أجد ما أقوله إلا هذا القول: إذا لمْ تستحِ فاصنعْ ما شئت!
أمّا معارك العقاد مع طه حسين فهي كثيرة! وقدْ بدأت حول فلسفة أبي العلاء المعري، حينَ كتبَ العقادُ عن الخيال في رسالة الغفران: إنّ رسالة الغفران نمط وحدها في آدابنا العربية وأسلوب شائق ونسق طريف في النقد والرواية وفكرةٍ لبقةٍ لا نعلمُ أنّ أحدًا سبق المعري إليها! وقد استفزت هذه العبارة طه حسين، فكتب يقول: ولكنّ الذي أخالف العقاد فيه مخالفة شديدة هو زعمه في فصلٍ آخر أنّ أبا العلاء لمْ يكنْ صاحب خيال في رسالة الغفران، هذا نُكر من القول لا أدري كيف تورط فيه كاتب كالعقاد! وعندما ألف العقادُ دراسة نقديّة حول الشاعر العباسي أبي نواس، ردّ عليه طه حسين بمقالٍ ينتقص منْ قيمة الدراسة التي انتهجت المدرسة النفسيّة في النقد، فقال طه حسين إنه يكره أنْ يضع الناقد الأديب في قوالب حديديّة جامدة! فردّ عليه العقاد بسخرية: وهل لو وضعته في قوالب من حرير كان سيعجبه ذلك!
كما يُعدُّ الدكتور زكي مبارك منْ أشهر النقاد الذين عُرفوا بمعاركهم الأدبيّة، فلمْ يسلمْ منْ سلاطة لسانه أحدٌ منْ مثقفي زمانه حتى أنّه عُرف بلقب المُلاكم الأدبي! وحول حروبه الأدبيّة التي أشعلها في حياته ألّف الباحث والناقد محمد جاد البنا كتاباً شهيراً وسمه بـ (المعارك الأدبية بين زكي مبارك ومعاصريه)، فقدْ كان زكي مبارك مُعجباً بنفسه إلى درجة الغرور! استطاع بذكائه ومجهوده أنْ يحصل على ثلاث شهاداتٍ دكتوراه متتالية، فلقبته الصحافة حينها بالدكاترة زكي مبارك! وقدْ عمل في الصحافة لسنواتٍ طويلة، وكتبَ مئات المقالات التي أشعل فيها حروباً أدبية مع كلّ مثقفي عصره! لقد كانت شخصيّة زكي مبارك صداميّة! الأمر الذي أدخله في صراعاتٍ نفسيةٍ مع كلّ المحيطين به، وبمعنى آخر، كان زكي مبارك يفتقدُ للذكاءِ الاجتماعي، فلمْ يكنْ يعرفُ كيف يحافظ على مكتسباته الوظيفيّة والعلميّة، ممّا جعل القائمين على التعليم في مصر ينتدبونه عام 1937م للعمل في دار المعلمين في العراق، لقد كانوا يريدونه أنْ يبتعد عنْ أجواء المشاحنة مع الأدباء والمثقفين في مصر! وهناك عاش الأديب الكبير أجمل أيّام عمره! حيث حظي في بغداد بالتكريم والحفاوة التي كان يبحث عنها! إلا أنّ شخصيّته العنيدة جعلته يغادرُ العراق ويعود إلى وطنه! لقد كان يريد التقدير في بلده وليس في بلاد الآخرين! وذات يومٍ، كتب مقالة يشتكي من الحالة النفسيّة والماديّة التي وصل إليها! فيقول: إنّ راتبي في وزارة المعارف ضئيل! وأنا أكمله بالمكافأة التي أحصلُ عليها منْ صحيفة البلاغ أجراً على مقالات لا يستطيعُ أنْ يكتبَ مثلها كاتب! ولو غمسَ يديه في الحبر الأسود! لقدْ ألفتُ خمسة وأربعين كتاباً منها اثنان بالفرنسية، ونشرتُ ألف مقالةٍ في صحيفة البلاغ، وحصلت على ثلاثِ شهاداتٍ دكتوراه، ومع ذلك يُصرّون على إبقائي مفتشاً بوزارة المعارف! وقد انتهت حياة الملاكم الأدبي زكي مبارك بصورةٍ مأساويّةٍ مثل الحياة التي عاشها! ففي يناير 1952م سقط مغشياً عليه فى أحد شوارع القاهرة وقد أصيب إصابة حادة فى رأسه! فنقل إلى المستشفى حيث بقي غائبًا عن الوعى حتى وافته المنية!
ونختم مقالتنا بالحديث عن العلامة أبي فهر، الشيخ محمود بن محمد شاكر، أديب العربية الكبير، والذي اشتهر بمعركتين ضاريتين! الأولى عندما التحق بالجامعة وهو في السابعة عشرة من عمره، واشتبك حينها مع أستاذه الدكتور طه حسين حول حقيقة الشعر الجاهلي، فقد كان طه حسين وقتها قد أصدر كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي) وفيه أثار الشكوك حول حقيقة الشعر الجاهلي! فتصدّى له التلميذ النجيب بكل جرأةٍ وشجاعةٍ! لقد اتهم محمودُ شاكر أستاذه بأنّه مجرّد بوقٍ للمستشرق الإنجليزي مرجليوث الذي كان أوّلَ منْ شكك في حقيقة الشعر الجاهلي! حيث كتبَ محمودُ شاكر سلسلة مقالاتٍ بعنوان (بيني وبين طه حسين)، كما اندلعت بين الأديبين الكبيرين معركة أخرى بسبب المتنبي! فعندما نشرَ طه حسين كتابه (مع المتنبي) كانت سرديّته النثريّة تنتقصُ منْ قيمة الشاعر الكبير! حيث ذكر أنّ المتنبي نسباً كان لقيطاً لا يُعرفُ أمّه وأباه! وأنّ المتنبي عقيدةً كان قرمطياً! فكتب الأستاذ شاكر كتابه الشهير (المتنبي) ردّاً قوياً على كتاب أستاذه! حيث أثبت ببراعة الباحث النجيب خطأ ما ذهب إليه طه حسين حول شخصيّة المتنبي وحياته وشعره! ورفض منهجه في دراسة أشعار المتنبي!
أمّا معركته الثانية فقدْ كانت مع الدكتور لويس عوض، حيثُ صُنّفت هذه المعركة كأشرس المعارك الفكريّة في مصر حيث واجه فيها محاولات لويس عوض التغريبيّة وانتقاصه للثقافة العربية والدين الإسلامي! وقدْ جمع شاكر كلّ تلك المقالات في كتابيه: (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) و(أباطيل وأسمار) توثيقاً لتلك الحروب الفكريّة التي ساهمت في تأصيل حقيقة الثقافة العربية أمام دعاة التغريب! فقد كان لويس عوض يكتب في صحيفة الأهرام سلسلة طويلة من المقالات حولَ تخلّف العقل العربي وأنّه في جوهره بعيدٌ عن الإبداع والعبقريّة! فهو إذنْ مجرد عقل تابع للعقل الأوروبي! ويستدلُّ بشواهدَ غريبة، منها على سبيل المثال بأنّ الشاعر العربي أبا العلاء المعرّي قدْ تأثر بالأدب اليوناني القديم! وكأنه يقول بطريقةٍ غير مباشرةٍ أنّ أشعار المعرّي ما هي إلا ترجمة للأدب الإغريقي! بالإضافة إلى هجومه المستمر على اللغة العربيّة وأنها عاجزة عنْ حاكاة اللغات العالميّة الأخرى! فكانت كلُّ هذه الادّعاءات تستفزُّ الأستاذ محمود شاكر! والذي عاد إلى حمل قلمه الغيور بعد أنْ كان قد اعتزل الكتابة! فاستعدّ لهذه المواجهة الناريّة وردّ على أباطيل لويس عوض رداً مفحماً، ومضمون تلك الصراعات الفكرية مدوّنة في سفره الشهير (أباطيل وأسمار).