د.حسن مشهور
في ظل توجه بعض الجامعات إلى إغلاق عدد من برامج كليات اللغات وعلومها، وإيقاف برامج محددة في كليات الآداب والعلوم الإنسانية، كما حدث عندما أعلنت جامعة الملك سعود في أبريل 2026، ضمن حزمة قراراتها الأخيرة، عن إجراءات من هذا النوع؛ ومع تخرج أعداد كبيرة سنويًا من طلبة أقسام الأدب واللغة في الجامعات العربية والعالمية، حاملين شهادات أكاديمية رفيعة ومعرفة واسعة بالنصوص والنظريات، يعود سؤال جدلي ليطل برأسه من جديد، ويتمثل في التساؤل: هل تستطيع تلك الأقسام، المعنية بتدريس الأدب والنقد وعلوم اللغة وآدابها، أن تُشكِّل – أو لنقل تصنع – أديبًا مبرزًا؟
في الحقيقة، يرى كثير من النقاد والأدباء عبر امتداد التاريخ أن أقسام الأدب واللغة لا تصنع الأديب بالمعنى الحرفي، لكنها قادرة على تمهيد الطريق أمامه، من خلال منحه المعرفة المتخصصة، وتدريبه على الأدوات، وفتح آفاق واسعة من المهارات التعبيرية والإبداعية. إلا أن مسألة العبور تتطلب عناصر أخرى، تتمثل في الموهبة والشغف وخوض تجارب إنسانية عميقة. وحجة هؤلاء أن الأدب، وعوالم الإبداع الفني، ليست مجرد علم يُدرَّس، بل فن يُعاش.
ويذهب أنصار هذا الرأي إلى أن أقسام الأدب واللغة، من حيث المبدأ، تقدم بيئة معرفية ثرية، تُعرِّف الدارس بتاريخ الأدب، وتفتح له أبواب النقد، وتمكِّنه من أدوات التحليل والكتابة. وبذلك لا يتعلم الطالب كيف يقرأ النصوص فحسب، بل كيف يفككها، ويقارن بينها، ويضعها في سياقاتها الثقافية والفكرية. وهذه المهارات تشكل بلا شك قاعدة صلبة لأي مشروع إبداعي. ومع ذلك، ورغم أهمية التعليم الأكاديمي، يرى العديد من النقاد أن الجامعة لا تصنع الأديب بقدر ما تصقل موهبته، إن وجدت لديه أصلًا؛ لأن الإبداع الأدبي، في جوهره، يرتبط بالحساسية الفردية والتجربة الشخصية والقدرة على التعبير عن العالم بزوايا خاصة. وهذه عناصر يصعب تدريسها بشكل مباشر. وبعبارة أخرى، يمكن للأستاذ أن يشرح بنية القصيدة أو تقنيات السرد، لكنه لا يستطيع أن يمنح الطالب تلك الشرارة الداخلية التي تدفعه إلى الكتابة الإبداعية.
ومن الذين تبنّوا هذا الاتجاه، تلميذ أفلاطون الشهير، الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي أشار – في حديثه عن “المحاكاة” – إلى أن الفن يعتمد على استعداد طبيعي لدى الإنسان، يُطوَّر بالممارسة والتعلم، لا يُخلق من العدم. وقد وافقه إلى حد كبير الشاعر والناقد الإنجليزي ت. س. إليوت، الذي رأى أن المعرفة بالتقاليد الأدبية ضرورية للشاعر، لكنه أكد في الوقت ذاته أنها لا تكفي وحدها لخلق شاعر، بل لا بد أن تقترن بقدرة إبداعية خاصة. وقد أثَّر هذان الرأيان، في تقديري، في فكر النقاد البنيويين، الذين نظروا إلى النص الأدبي بوصفه كيانًا يتجاوز القواعد الجاهزة، ورأوا أن الكتابة فعل فردي مفتوح لا يمكن اختزاله في تعليمات أكاديمية.
ومن خلال تتبعي لما كتبه الأديب الراحل عباس محمود العقاد، وتأملي في سيرته، وجدت أنه كان يميل إلى أن المؤسسة الأكاديمية لا تصنع أديبًا حقيقيًا، وأن الأدب موهبة فردية لا تُكتسب داخل قاعات الدرس. فقد أشار إلى أن الثقافة الواسعة ضرورية للأديب، لكنه أكد في الوقت نفسه أن العبقرية – أو الموهبة – عنصر فطري لا يُكتسب بالتعليم وحده. لذا نجده يميز بوضوح، في كتاباته عن العبقرية، بين التعلم والموهبة.
وفي المقابل، يرى فريق آخر أن الجامعة تمثل حاضنة للإبداع، لا مصنعًا له. ويستند هذا الرأي إلى أن الاحتكاك بالنصوص الكبرى، والانخراط في نقاشات نقدية، والتعرض لمدارس أدبية متعددة، كلها عوامل توسع أفق الطالب وتمنحه وعيًا عميقًا بطبيعة الكتابة. كما أن الورش الأدبية والأنشطة الثقافية داخل الحرم الجامعي تسهم في خلق بيئة تشجع على التجريب وتبادل الخبرات.
وبين هذه الأطروحات المختلفة، يبرز اتجاه ثالث يمكن وصفه بالمحايد، يرى أن هناك تجارب عديدة تؤكد أن بعض الأدباء الكبار قد مروا عبر بوابة الجامعة واستفادوا من تكوينهم الأكاديمي في تطوير أدواتهم، في حين أن هناك، على الجانب الآخر، أسماء لامعة لم تدرس الأدب بشكل منهجي، ومع ذلك تركت أثرًا عميقًا في المشهد الثقافي. وهو ما يعزز فكرة أن الطريق إلى الإبداع الأدبي ليس واحدًا دائمًا.