حامد أحمد الشريف
كنت قد تحدثت سابقًا عن رولان بارت الناقد الفرنسي المعروف الذي اجتهد كثيرًا في محاولة دفعنا للاهتمام بشبكة الأسئلة والألغاز والاحتمالات والتأجيلات التي يتم الإجابة عنها لاحقًا، واعتبرها قيمة إضافية للنصوص بنيت عليها نظرية التلقي المعنية بالإثارة والتشويق... ومررت يومها في عجالة على الأنظمة الدلالية أو الرموز الخمسة التي وضعها، ونصح باستخدامها لقراءة النصوص وتحليلها، وتوقفت قليلًا عند الرمز التأويلي أو ما يسمى «hermeneutic code»،
وخلاصة ما قلنا عنه: إنه يهتم بكل ما يخلق سؤالًا أو لغزًا أو يصنع غموضًا أو نقصًا في المعارف والمعلومات في النصوص موضع القراءة تستدعي انتظار التفسير، أو الحل لاحقًا.
وكما هو معلوم فإن هذ النهج السردي المهم لم يكن حكرًا على رولان بارت، بل قال به كثير من النقاد والروائيين الكبار، وإن كان كل منهم قد تناوله بطريقته ومن زاويته، لكنهم اجتمعوا غالبًا حول أهمية طرح السؤال، ومحاولة الإجابة عنه بالتشارك بين النص السردي والقارئ المثابر، إذا ما أردنا تجويد نصوصنا أو اختبار جودتها. فهذا الناقد الفرنسي المعروف «جيرار جينيت» يتوقف عند الأسئلة التي يطرحها النص السردي الإبداعي من خلال شرحه لكيفية إدارة المعرفة داخل النص، واعتماده تقنيات مهمة في الكتابة السردية تعد مفتاحًا مهمًا للكتابة الإبداعية وأعني بذلك، تقنية الاستباق (foreshadowing) وتقنية الإخفاء (withholding information)، وباعتقادي أن كلا التقنيتين تعتمدان على رفع قيمة النص من خلال التعامل الجيد مع الاستفهامات وتوظيفها لخلق قيمة تشويقية له، وبالتالي نسجُ علاقة قوية تربطه بالقارئ اعتمادًا على الأسئلة المؤجلة أو تلك التي تُترك من دون الإجابة عنها، وهو الانفجار العظيم في السرد الذي قال به المخرج السينمائي العظيم البريطاني «ألفريد هيتشوك» ووافقه عليه كثيرون.
الناقد الألماني المعروف «ولفغانغ إيزر» الذي يعد أهم مؤسسي نظرية التلقي، قدّم هو الآخر فكرة مهمّة جدًا تصب في هذا الاتجاه، في سياق حديثه عن نظرية التلقي، التي يراها من وجهة نظره تتكئ على الفراغات (Gaps / Blanks) وهذه تعتمد ببساطة على مبدأ في الكتابة السردية، يقول: «إن النص ينبغي ألا يقول كل شيء وبالتالي فهو يترك “فراغات” على القارئ أن يملأها» ويقينًا فإن هذه الفراغات ليست سوى أسئلة تبحث عن إجابة، وغموض ممنهج يدفع القارئ للمشاركة، وهذا يلتقي مباشرة مع فكرة بارت، ولكن من زاوية تلقي القارئ.
« أمبرتو إيكو» تحدث أيضًا عن «القارئ النموذجي» (The Role of the Reader) واعتبر أن النص الجيد، يبني استراتيجيات توقُّع، ويقود القارئ عبر سلسلة من الاحتمالات والأسئلة بمعنى أن القارئ يظل يتوقع ويخطئ ويعيد الكرة، حتى يصلَ إلى القيمة الحقيقية للنص، أو يقفَ على العمق الدلالي الذي يريده الكاتب، ولكن، بطريقة غير مباشرة، أو لنقل باتباع منهج الإجهاد الإبداعي المفضي للتعلق بالنص.
الناقد الأمريكي «بيتر بروكس» في كتابه (Reading for the Plot) أو ما يمكن أن نسميه «القراءة من أجل الحبكة» يرى أن: الرغبة في معرفة النهاية هي محرّكُ السرد، وأن القصة تُبنى على تأجيل الإشباع (delayed gratification) وهو وصف آخر لنفس الظاهرة التي نحن بصدد الحديث عنها، التي تعتمد على منهجية التعامل مع الأسئلة وتوظيفها لخلق قيمة إضافية للنصوص السردية، ونعني بذلك ببساطة: أن هناك سؤالًا قائمًا وإجابة مؤجلة، وسيميائيات تشير إلى قرب التوصل إليها، وبالتالي هناك رغبة مستمرة في القراءة سعيًا لسد هذه الفجوات والوصول إلى النهاية المرتقبة، وهو ما يفسر تعلقَنا بالنصوص التي تعتمد هذه المنهجية الإبداعية في كتابتها، وفي ظني لم تعد النصوص السردية تستغني عن هذا النوع من الكتابة المحفزة على القراءة.
لعل هذا بالضبط ما يمكننا أن نصف به رواية «بعض الفرح قد يكفي» للكاتبة السعودية/ ريم عبد الباقي التي تقع في 376 صفحة من القطع المتوسط، الصادرة عن دار غراب المصرية في عام 2023م، وهي التي تميزت بالفعل بهذه المنهجية الكتابية، بشكل لا يمكن تجاوزه إذا ما قررنا الحديث عنها رغم أنها رواية اجتماعية، لا تعتمد على التشويق والإثارة في مبدأ كتابتها، إذ ليس هناك انفجار عظيم مرتقب كما وصفه «هيتشكوك»، أو حدث كبير تدور في فلكه الأحداث الشذرية، وتنطلق من خلاله الاستفهامات التي نعتمد عليها، بل إنها تستخدم الإيقاع الزمني البطيء، أي أنها تشكل الهدوء السردي الذي يدفعك للتأمل ويمنحك الوقت الذي تريده لإنجاز المهمة، ولا تقلقك كثيرًا، كما يحدث عادة في الروايات البوليسية والغرائبية، لكنها على الجانب الآخر لا تسمح لك بالابتعاد عنها، بسبب اعتمادها في بنيتها السردية على شبكة معقدة من الأسئلة مصاغة بطريقة غاية في الروعة والجمال، تجعلك في حالة ترقب دائم بانتظار ما سيأتي لاحقًا، ويقودك ذلك للذهاب بعيدًا في التحليل والتأويل واستكمال نواقص السرد وسد الفراغات الإبداعية المتعمدة.
أتت هذه الاستفهامات الإبداعية في بعض السياقات بشكل مباشر تخللت حوارات الشخصيات، أو عبرت عن المونولوج الداخلي لأبطال العمل، وكانت في مجملها رائعة، كتلك التي تولدت عن مشاهدة مسنة في القطار تجلس بجوار رجل في مثل عمرها ص76، تقول بطلتنا غالية في حوارها مع نفسها: «بقيت وحيدة في مقعدها تفكر: هل هو زوجها، أم أخوها؟ بدا شخصًا قريبًا منها، بقدر ما كان حزنها موغلًا، ومشاعرها بعيدة، ما الذي يجعل شخصًا ما يخفي ضيقه وحزنه، عذابه أو ألمه عن أقرب الناس إليه، بدلًا من أن يتكئ على كتفه ويبثَّه همومه؟ يبتسم مداراةً لمشاعره أمامه، بدلًا من أن يبكي على صدره؟ لماذا نحتاج إلى أن نختبئ ممّن نحب؟» انتهى كلامها. والجميل هنا إسقاطها هذا المشهد على حياتها هي، وصورتها في زجاج نافذة القطار، ونهوضها بنفس الدور الذي استوقفها في العجوز المختبئة من قريبها، التي تضحي بنفسها لإسعاده..
مثل هذه الأسئلة المباشرة رافقتنا في معظم أجزاء السردية وأتت محملة بكثير من الفلسفات والمعاني والأفكار المضمرة، كما يظهر في استخدامها للمونولوج الداخلي ص156 للتعبير عن الحالة الوجدانية التي يعيشها «عمر»، يقول: «كيف بقيتِ بهذه البراءة يا غالية؟ أراد أن يسألها، ولكنه اكتفى بالنظر إليها مبهورًا، كلما حاولَ أن يرى فيها امرأة ناضجة، كانت الطفلة التي بداخلها تشاكسه، فلا يرى غيرها.» انتهى كلامه.
ظهر الاستفهام أيضًا بطريقة الاسترجاع ويحمل نفس المواصفات الإبداعية التي نطريها حيث يفوق العمق السطح بكثير، تقول ص93: «تذكّرت كلمات صديقتها (مرام) وهي تسألها: ما معنى أن نحيا خلف النوافذ نراقب فقط؟ هل يمكن أن نعتبر أننا قد عشنا حقًّا دون أن نلمس تفاصيل الحياة ونشعر بها؟ أليسَ من الأفضل أن نخوض فيها وتغمرنا أمواجها، بدلًا من الجلوس على الشاطئ؟ اختيار السلامة يا غالية ليس هو الاختيار الصائب دائمًا.
لم تُجبها يومها، ولكنها همست لنفسها: أليس ذلك أفضل من أن تباغتني شهقة الغدر لتسرق أنفاسي؟» انتهى كلامهما. وكما يظهر هنا أن هناك فرقًا كبيرا بين القراءة السطحية لهذا الحوار الجميل وما يحتمله من معانٍ عميقة قد لا يُظهر بوضوح ذهابه باتجاه الحديث عن بعض الجرائم المتدثرة برداء الدين وانتقاد بشاعتها. بينما يأتي السياق ليربطها بأخيها المتدين يوسف الذي باتت تشك دائمًا أن يكون من بين المتهمين بافتعال هذه الأعمال الإرهابية، وهذا ما يحدث بالفعل عندما يكون أحد أحبائك المفقودين يحمل الفكر ذاته، فتخشى على الدوام من ورود اسمه ضمن المطلوبين للعدالة، وتعيش الألم مضاعفًا، وهذا ذكاء من الكاتب في تمرير فلسفته وإعطاء قلمه الفرصة كي يتناول الموضوع بطريقة مبررة سرديًا ومتزنة، نرصد ذلك في ص94 في قولها: «تؤلمها الفكرة، تحبس أنفاسها وهي تضع كفَّها على صدرها، كان قلبها يرتجف من بشاعة المشهد، ومن فكرة أن يكون يوسف بينهم» انتهى كلامها.
ومن الحوارات المباشرة الرائعة حوار غالية و«عمر» حول فلسفة الغياب وكان عميقًا في مدلولاته الفلسفية، ولعل ذلك ما يبرر الاحتفاء به، ووضعه على ظهر الكتاب، دار هذا الحوار ص111 تقول: - بل هناكَ ما هو أقسى من الموت.
- ما الذي يمكن أن يكون أقسى من الموت؟!
- الغياب مثلًا…أن تحيا على أمل عودة مَن لا يعود، الغدر، الوهم الذي تختلقه، وتحيا به؛ لتستطيع التأقلم مع الواقع، الرعب من المجهول.. أن تعيش وأنتَ لا تعلم ما الذي حدث؟ ولماذا حدث؟ فتلوم نفسكَ، وترسم ملايين السيناريوهات لأحداثٍ، لا تعرف حقيقتها من كذبها..» انتهى كلامهما. وكما نلاحظ هنا سلاسة الحوار وتلقائيته وعفويته، رغم القيمة الفلسفية الكبيرة التي يحتملها. ولعلي أختم هذه الجزئية بذلك الحوار المباشر الجميل الذي وقفنا عليه في ص365 حين استُخدمت هذه التقنية الإبداعية في تبرير سبب إخفاء والدة غالية للرسائل التي وصلتها من ابنها يوسف الذي ذهب للجهاد في أفغانستان، قامت حينها السردية بطرح هذه الأسئلة العميقة بشكل مباشر وإن كان مونولوجًا داخليًا أدارته غالية مع نفسها ولم تطلع عليه أحدًا، لكنها كانت استفهامات عميقة تحمل بعدًا وجدانيًا وأتت في الموضع الذي تتهيأ فيه السردية لطي صفحاتها وتوديع متلقيها، والجميل أنها تُركت بلا إجابات حتى ينشغل بها القارئ ويحاول إعادة تحليلها وفهمها.
هذا النوع من الأسئلة المفضية للتعلق بالنصوص قد لا يأتي بصورة مباشرة كما كان في الاستشهادات السابقة، وإنما ضمنيًا، تشعر به في ثنايا النص أو لنقل في الاعتماد على طرح أفكار معينة تدفعك للوقوف والتأمل واختبار مصداقيتها، ما يعني إدارة الحوار مع نفسك حول صدق هذه المقولة أو تلك، كقولها ص63: «وتخاف عليها من قسو ة الضربة الغادرة، إذا ما اكتشفت -في يوم من الأيام- زيف تلك المشاعر وتلك الحياة، فقوة الصدمة تساوي قوة الاندفاع.» انتهى كلامها.
وبخلاف أن هذه العبارة تعيدنا إلى عنوان الرواية في إشارتها العميقة لفلسفة عدم الإغراق في المشاعر خشيت فقدانها، وتأثرنا بذلك، وأن علينا الرضا بالقليل منها، بالضبط كما هي الحياة التي يكفينا منها نزر يسير من الفرح يقيم صلبنا، وأن الحياة ليست كلها أفراح، أقول إنها بخلاف كل ذلك، قد قامت على توازن محدد؛ بين الفرح والترح يدفعنا للرضا بالقليل، ما يقودنا لسؤال مهم: هل هذه الفلسفة واقعية ومقنعة وأن الحياة بالفعل ستكون أجمل دون مجازفة وأن أغلب معاناتنا تحدث نتيجة عدم الرضا بالقليل والقتال من أجل المزيد، وهل المشاعر تحتمل هذا التقشف؟! أي أننا في عبارة بسيطة مثل هذه تعثرنا في عدد من الاستفهامات التي يصعب حسم جدليتها وقبولها أو رفضها، ويمكننا القياس على ذلك، فهناك كثير من المواقف والشواهد التي تثري هذا الجانب التشويقي وتطرح مزيدًا من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها بسهولة وربما ترافقنا حتى بعد الانتهاء من قراءة العمل.
هذا النهج المتعمد الذي نراه في اعتماد السردية في كل مفاصلها على طرح الأسئلة، تعددت صوره وأشكاله، وأتى كثيرًا بطريقة غير مباشرة كما أسلفت، بمعنى توظيف الحدث المسرود لخلق استفهامات في ذهن القارئ تدفعه للتبصر بمغازي النص، أي أن المتلقي يضع السؤال وينشغل تاليًا بالبحث عن الإجابة عنه، وهذا في ظني قيمة إضافية حملها هذا الأسلوب الكتابي المميز. وكمثال على ذلك نجد فكرة تقمص الراوية المتكلمة لبعض الشخصيات النسائية المتداولة في الإعلام مثل «ساجدة الريشاوي» التي نجت من تفجيرات عمان وأُدينت بها، وأعدمت بسبب ذلك. واتباع المؤلفة لذات الأسلوب مع تجارة سبي اليزيديات. ولعل الجميل في هذا التوظيف الإبداعي أنها لم تصف وتخبر وتسطح السرد، بل جسدت المشاهد وتحدثت بلسانهن قبل عودتها لشخصيتها الحقيقية كطبيبة نساء، محاولة تبرير ذلك بأن لديها هذه النزعة باتجاه التقمص الوجداني ((Empathy أو المحاكاة الذهنية ولعب الأدوار (Role-playing) مما يدخل المتابع لعمق الحكاية، فيتخيل كل أبعادها الوجدانية والنفسية، وبالتالي نجد أنه سيطرح كثيرًا من الاستفهامات التي تتعلق بالأحداث، وأهمية استعادة بعض تفاصيلها المغيبة، التي لا يستقيم الفهم والربط إلا بها، وكذلك طرح بعض الأسئلة عن أسباب استخدام هذه التقنية السردية؛ وعلاقتها بالحالة البنائية للنص السردي، أو لنقل بطريقة مبسطة؛ محاولة فهم العلاقة التي تربطها بالحكاية الأم بعد ارتباطها بالقارئ وتعلقه بها، أي أننا أمام تقنية سردية تعتمد ثقافة السؤال غير المباشر، وإشغال القارئ بمحاولة الإجابة عنه، باستخدام تقنية التشظية الحكائية التفاعلية- إن جاز لنا تسميتها بذلك- وهي تنقل لنا عددًا من الحكايات المتداولة بكل أبعادها الاجتماعية والنفسية، أي أننا بتنا أمام مجموعة قصصية تُنظم على هيئة رواية، والاختلاف هنا أن الناظم يأخذنا معه في رحلة ماتعة لفهم وفلسفة ما يحدث بطريقته من دون الإخلال ببناء سرديته والاهتمام بأركانها، ومن دون إشعاره بالهيمنة على قراره.
وكمثال على الاستخدام غير المباشر للأسئلة وتوظيفها لخلق قيمة إضافية للنص اعتمادًا على القارئ، نجد أن الكاتبة حاولت استدعاء التاريخ وصياغته، في عبارات دلالية مثيرة تدفع المتلقي للتوقف والنهوض بهذا الدور كقولها ص67: «فمنذ الطوفان الذي أغرقَ الأرض وما عليها -إلا القلة المختارة- وحتى يومنا هذا، لم تُكتب تواريخ البشرية إلا بالدماء وبالرماد..» انتهى كلامها. وكما يظهر هنا فإن العبارة تقودنا إلى حكاية طوفان نبي الله نوح عليه السلام وتربط هذا التاريخ بالإيغال في الدماء، ما يقودنا لاستعراض كثير من الأمم المتوالية، والسؤال إن كانوا قريبين أو بعيدين عن الصورة التي أشارت إليها السردية، وبالتالي فنحن أمام متوالية من الاستفهامات التي تعلي من قيمة النص وتجعلنا نتلقاه بطريقة جيدة.
ومن الأساليب التي اعتمدتها السردية واستخدمتها في حياكة شبكة الألغاز والأسئلة التي أشار إليها رولان بارت؛ بثها لفلسفات وأفكار خلاقة تدفع القارئ للوقوف عندها وتأملها واختبار صحتها، وكشاهد على هذا النوع من الاستفهامات غير المباشرة سأكتفي بإيراد هذه الفكرة التي نرصدها في ص68 أيضًا وتشير إلى أن الإرهاب صنيعة الإنسان على مر العصور، وأنه يتبدل في كل عصر من العصور ما يضعنا أمام عدة استفهامات للربط والتحليل والاستدعاء والموافقة والرفض واستخلاص العبر، تقول: «- الإرهاب صنيعة الإنسان على مرّ الأزمان يا فيصل، ففي زمن ما، كان الإرهاب صنيعة الوثنيين، مارسوه ضد أتباع العقائد السماوية، مثل فرعون واليهود في قصة سيدنا موسى، وفي عصر آخر كان الإرهاب صنيعة اليهود ضد أتباع المسيح عليه السلام، وفي عصر أحدث كان صنيعة الم سيحيين ضد المسلمين وأتباع الديانات الأخرى، كما في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، ثم ضد بعضهم بعضًا، كما هو الآن صنيعة بعض المسلمين ضد بعضهم بعضًا أيضًا وضد كل العالم» انتهى كلامها.
هذه الأسئلة المستفزة استخدمت أيضًا في التلاعب بذكاء على محظورات السرد كالوعظ، والمثاقفة، وهيمنة وحضور شخصية وفكر وفلسفة الكاتب على النص، وبالتالي تمرير هذه التجاوزات، أي أن السارد استطاع الاتكاء على فكرة خلق زوبعة من الأسئلة تختبر قدرته على حلها، وتاليًا ربطها بالسياق السردي بعد فهمها والدخول إلى أعماقها، وبالتالي الانشغال عن أي أمر سواها، كقولها ص72: «لا تضعي مفتاح سعادتكِ في يد سواكِ، ولا تحصري حياتكِ في خانة واحدة…» انتهى كلامها.
ومن الأساليب الإبداعية أيضًا؛ قدرة النص على استخدام ما يمكن تسميته بالسيريالية السردية؛ وأعني بها إذابة الحدود الفاصلة وجعل الحياة الإنسانية المجتمعية كتلة واحدة مدمجة، تتخللها مناطق اتصال بين متناقضات بشكل ضبابي، بالضبط كما نراه في اللوحات التشكيلية السريالية؛ التي تقدم لنا كتلة واحدة لأشياء متناقضة… ويظهر كل ذلك في الاستشهادات السابقة التي يمكن النظر إليها من عدة زوايا وإن كنت قد وظفتها للحديث عن الاستفهامات الإبداعية داخل النص السردي.
استخدمت السردية أيضًا الاستفهامات المقلقة للقارئ من خلال توزيعها لنقاط تبئير مهمة، في كامل العمل ترتكز على فلسفات مثيرة تستدعي التوقف والتأمل، نرصد ذلك في عدة مواضع منها ص308: «- خلق الله الكون جميلًا متناسقًا وسعيدًا، ولكنّ البشر بارعون في قلب كل الموازين» انتهى كلامه. ومن ذلك أيضًا فلسفة غالية للزواج ص343 الجميلة حين رفضت اعتبار الزواج إكمال للنواقص الإنسانية، وأن الزوج والزوجة حسب طرحها ليسا ناقصين يبحثان عن الكمال؛ وإنما تجمعهما حياة مشتركة تحتاج لأبعاد إضافية تتعلق بالسعادة والراحة والمشاركة. وأتى ذلك أيضًا في ص72 عند قولها: «نحن من نخلق لأنفسنا القيود»، انتهى كلامها. وكذلك ص74 في قولها: «تعلّمت أنّ البسطاء في كل مكان دائمًا ودودون، معطاءون وبشوشون رغم ملامحهم الكادحة المرهقة،» انتهى كلامها. وكذلك ص74 في قولها: «تثقلها المسؤولية طوال الوقت، صحيح أنها ليست زوجة لرجل تنكفئ حياتها عند أقدامه، ولا أمًّا لأطفال يمتصّون رحيق عمرها، ثم يحلّقون بعيدًا دون أن يأبهوا بما يحلُّ بها.» انتهى كلامها. وكان أن أظهرت في هذا السياق التنويري غير المباشر أن المسؤولية التي تثقل كاهلنا قد لا تكون ظاهرة للآخرين ممن يحصرونها في الزوج والأبناء والعمل، بينما تراها بطلتنا في أمور أخرى أهم؛ أتت على ذكرها ص74، تقول: «ولكنها مسؤولة عن والدتها، عن يوسف الصغير، وحتى عن أخواتها، مسؤولة عن الأرواح التي تتعلّق بأطراف أصابعها كل يوم، مسؤولة عن نفسها.. أن تبقى قوية، متفرّدة وصامدة في وجه كل مشاعر الوحدة والافتقاد.. أن تخلق لنفسها سعادة لا تخذلها، فتبحث عنها لدى الآخرين.» انتهى كلامها.
من المواطن التي استخدمتها السردية أيضًا لإثارة الأسئلة، إتيانها بتشبيهات بليغة، تدفع القارئ للتوقف والتأمل وطرح السؤال، للتأكد من قيمتها وربطها ببعض التجارب الشخصية التي عاشها، ومثال على ذلك تشبيه غالية لعائلتها بأنها تلعب كرة المضرب مع الحياة. تقول ص342: «-نعم نحن عائلة مميزة، تلعب كرة المضرب مع الحياة بشكل متواصل، نصدّ بعض الكرات، وتصيبنا بعضها، فنقوم وننفض عنّا الغبار لنواصل اللعب.» انتهى كلامها.
وأسلوب إبداعي آخر اعتمدته السردية في خلق السؤال يعتمد على استثارة المواقف اليومية البسيطة لمشاعرنا، كالاستماع لمقاطع غنائية معينة تستنهض ذاكرتنا وتسهم في طرح الأسئلة الوجدانية، نرصد ذلك في ص79 عند مراقبة البطلة لزوجين وهما يستمعان لأغنية «بتونس بيك» للفنانة الراحلة وردة الجزائرية.
أيضًا كان للفلسفات التي تحاول السردية تمريرها مفعول السحر في إثارة الاستفهامات وإشغال القارئ بها كقولها ص112: «- ليس نبلًا مني، نحن جميعنا مذنبون.. أنا أشعر بالذنب لمجرد وجودي في حياتها، لمجرد أنني كنتُ حِملًا إضافيًّا تحمَّلته.» انتهى كلامها. وأبسط ما قد يتبادر لذهن القارئ بعد هذا المقطع المستفز للمشاعر الإنسانية، سؤاله: هل البنت التي تأخر زواجها مذنبة في حق والدتها كونها أشغلتها بالتفكير في هذا الأمر وعكرت عليها صفو حياتها؟!!
جانب آخر من الأسئلة تتولد نتيجة الاشتباك العاطفي مع النص والحالة الوجدانية التي تنجح فيها الكتابات الشاعرية كوصفها الشهي المستفز ص229 الذي تقول فيه: «تماوجَ جسدها عند الخصر مع تغيُّر إيقاع الموسيقى، فضممتُها أكثر حتى صارَ قلبي على بعد خفقتْين من قلبها، وأنا أتلو على جيدها كل ابتهالات الحب التي أعرفها، وحين فقدَ الخجل عقله، انحنيتُ لألتقط حبات السكر من بين شفتيها، لكنها تفلتت، وأنوثتها الناعسة تلاحقني، ثم استدارت تتأملني، وفي عينيها أ لف سؤال وأمنية.» انتهى كلامه.
العلاقات الإنسانية التي تحتمل أبعادًا فلسفية متجذرة كانت ساحة مهمة لتدافع الأسئلة خاصة إذا ما أعادتنا لسلوكيات مستهجنة وقعنا فيها ولم ننتبه لها ما يجعلنا نتوقف ونتسأل لِمَ، وكيف؟! وكمثال على ذلك نجد قولها ص233: «نحن نحترم المخلِصين ولكننا نحب الخائنين». انتهى كلامها. وأتت هذه العبارة الفلسفية في سياق حكاية مها مع زوجها، وقرارها المستفز التعامي عن خيانته لها، وتحملها للكثير في مقابل الحفاظ على كيان الأسرة المتداعي بسبب خياناته المتعددة، وتعاميها وقبولها بهذا الأمر. ليأتي حوار غالية المباشر مع أختها مها من ص231 حتى ص236 ليطرح مزيدًا من الأسئلة في ذهن القارئ حول فلسفة الخيانة، وردود أفعالنا المتعددة حيالها، والخيارات الصعبة التي تعيشها المرأة بين الانتقام لكرامتها المهدرة، وبين الحفاظ على أسرتها. وهذه تعد من المناطق الوعرة التي لم تحسم جدليتها بعد، فكل القرارات التي نتبناها المرأة تحتمل الخسارة والربح.
الجميل في هذه السردية أيضًا توظيفها كثيرًا من الحالات الاجتماعية واستخدامها في إثارة استفهامات مستفزة، ما كان منها مباشرًا وما كان غير مباشرٍ، كحوار غالية مع مها ص241 وخوضها في فلسفة المنطقة الرمادية في العلاقة الزوجية للزوجة التي تزوجت أكثر من مرة. وحوار رائع آخر دار بين مها وغالية التي كانت في مرحلة تقصٍّ عن قرار الزواج ماله وما عليه، من خلال التجارب القريبة منها… وكذلك حادثة القصاص ممن قتلا ابن عمهما بسبب أنه رجل أمن ص307 حيث أجادت الرواية في توظيف حوادث الإرهاب والحديث عنها دون وعظ من خلال الاتكاء على الابن الملتحق بالمجاهدين الذي لا يعرف مصيره، وأصبح كل حادث يقع قد يعني ورود اسمه في قائمة المطلوبين كما أسلفت… فكانت هذه حيلة غاية في الجمال والإبداع، تجعل القارئ يشعر بالفعل بالعمق الحقيقي لهذه الأحداث من بعد إنساني صادق ويدير كثيرًا من الحوارات مع نفسه حولها…
ومن الأساليب التي استخدمتها السردية أيضًا في إثارة الأسئلة وإشغال القارئ بالبحث عن أجوبتها، المقاربات الجميلة في أبعاد الشخصيات وتراكبها وعدم تنميط الأحداث والصراعات، وكمثال على ذلك نجد أن السردية وصفت شخصية مها ص (338 و339) بأنها متعقلة جدًا ومنطقية في تفكيرها ولديها سرعة بديهة في اتخاذ القرارات المصيرية، وهو ما أسهم في إنقاد أخيها محمد عند محاولته الانتحار بعد خروجه من السجن، لتأتي المفارقة المدهشة بأن هذه السمات الرائعة نفسها أضرت كثيرًا بحياة مها الزوجية وقادتها للرضا بنزوات زوجها المفضوحة والتستر عليه خشية تفكك الأسرة وتضرر أبنائها.
- وبعد، أظن أنني مضطر للتوقف هنا رغم أن هناك مزيدًا من الجوانب الإبداعية التي يمكن الحديث عنها، في وقت لا يعني ذلك خلو العمل من بعض الملاحظات البنائية التي تمنيت تلافيها، كعدم منطقية بعض الأحداث المسرودة وإقناعها للقارئ، وما رصد أيضًا من بعض الملاحظات الأسلوبية وضعف بعض الصياغات التي كان يمكن الانتباه لها ومعالجتها للارتقاء أكثر بجودة النص، وكذلك بعض الملاحظات الفردية التي لا تخلو منها معظم الأعمال الإبداعية عادة وتتعلق بتوظيف الأسماء والضمائر، ولكن، كل ذلك لا يمكنه إشغالنا عن جودة العمل والقيمة السردية التي خلقها في اتكائه على فكرة اعتماد «قلق السؤال» لحياكة سرد إبداعي.