إعداد: عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في وقت تمر فيه الثقافة السعودية بمرحلة ذهبية من التحول والنهضة يبرز الفن التشكيلي كأحد أهم الركائز التي توثق وجدان الأمة وترسم ملامح مستقبلها. إن ما يشهده «معهد مسك للفنون» في صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون بالرياض من خلال إطلاق النسخة الثالثة من «سلسلة المعارض الفردية 2026»، ليس مجرد فعالية فنية عابرة بل هو استراتيجية معرفية تهدف إلى إعادة الاعتبار للأجيال الأولى من مؤسسي الحركة التشكيلية وفتح قنوات اتصال حقيقية بين أجيال المبدعين.
من خلال الاحتفاء بتجربتين ثريتين وقامتين بحجم الدكتور فؤاد مغربل والفنان سعد المسعري، نجد أنفسنا أمام تظاهرة فنية تعيد صياغة العلاقة بين المتلقي والذاكرة الوطنية، وتدفع بالثقافة الفنية نحو آفاق أكثر عمقاً واتساعاً.
التوسع المعرفي وأرشفة الذاكرة البصرية
تعاني الذاكرة الفنية في الكثير من المجتمعات من النسيان الانتقائي أو غياب التوثيق الفردي الذي يمنح التجربة حقها من النقد والتحليل. ومن هنا تأتي الأهمية القصوى لسلسلة المعارض الفردية فهي تتيح للمجتمع الفني فرصة «التوسع المعرفي» عبر استعراض المسيرة الكاملة للفنان عندما نشاهد أعمال مغربل أو المسعري في معرض مستقل نحن لا نرى لوحات معزولة بل نرى «سيرة ذاتية لونية» تلخص عقوداً من البحث والتجريب والتطوير، هذا النوع من العرض يساهم في بناء «أرشيف بصري» حي يغذي مخيلة الباحثين والنقاد ويجعل من الفن السعودي مادة معرفية تدرس وتُحلل لا مجرد قطع جمالية تقتنى.
كسر الحواجز وتلاقح أجيال الحركة التشكيلية
أحد أكبر التحديات التي واجهت الفن التشكيلي السعودي هو «الفجوة الجيلية»؛ حيث ظل جيل الرواد في معزل عن تطلعات جيل الشباب المنفتح على التكنولوجيا وما بعد الحداثة. تأتي هذه النسخة من المعرض لتعمل كـ «جسر معرفي» يكسر هذه الحواجز.
إن حضور الفنانين الشباب في معرض يضم رواداً مثل مغربل والمسعري يولد نوعاً من «التلقيح الثقافي»، فالشاب يكتشف أن الأسس الفنية التي ينطلق منها اليوم (مثل التجريد أو الرمزية) قد تم حفر مساراتها الأولى بجهد وصبر هؤلاء الفنانين، هذا التواصل يضمن استمرارية الهوية التشكيلية السعودية وتطورها في سياق تراكمي طبيعي بعيداً عن الانقطاع المعرفي مما يؤدي بالضرورة إلى زيادة الثقافة الفنية لدى المجتمع بكافة أطيافه.
فؤاد مغربل «طيبة.. أطلال وسلوى» وأرشفة الحنين البصري
الدكتور فؤاد مغربل ابن المدينة المنورة البار يقدم في هذا المعرض تجربة هي بمثابة «عناق مع المكان» أعماله تتجاوز محاكاة الواقع المعماري لتصل إلى «جوهر الروح» الكامن في حارات طيبة القديمة.
التحليل البصري المتعمق لأعمال د. فؤاد مغربل حيث يمارس نوعاً من «التجريد الروحاني»، القباب في أعماله ليست مجرد عناصر بنائية إنما هي «أنصاف دوائر» تحتضن السكينة والضوء يستخدم فيها درجات الأبيض بذكاء حاد، حيث يبدو الأبيض كمصدر للنور وليس مجرد لون مما يضفي طابعاً «نورانيّاً» على الحارات والأزقة.
تتميز ريشة مغربل بالقوة والحرية في آن واحد حيث تتشابك الخطوط لتصور تلاحم البيوت في أحياء «السمحانية» و»المناخة»، معبراً عن قيم الترابط الاجتماعي التي كانت سائدة.. إن استحضاره للأطلال ليس فعلاً بكائياً بل هو «سلوى» وجدانية تستحضر الماضي لتمنح الحاضر عمقاً وهوية اللوحات التي تصور المآذن الرشيقة تبرز قدرته على خلق «إيقاع بصري» صاعد نحو السماء؛ مما يربط الفن بالأفق الروحي للمدينة المنورة.
سعد المسعري: «فضاءات فكرية» وهندسة التأمل الكوني
على الجانب الآخر يقدم الفنان سعد المسعري تجربة تنتمي لعمق العقل والمنطق الجمالي الرصين، معرضه هو دعوة لـ «التفكير بالعين»، حيث السيادة للرمز والمساحة والفراغ.
التحليل البصري المتعمق لأعمال المسعري حيث تكشف أعماله عن فلسفة «ديناميكية السكون». نلاحظ الحضور الطاغي لـ «الدائرة» و»الكرة» وهي عناصر ترمز في فلسفته للكمال للكون وللعقل الإنساني في رحلته للبحث عن الحقيقة.
يتجلى ذكاء المسعري في التعامل مع «الفراغ»؛ فهو لا يخشى المساحات الخالية بل يجعلها جزءاً حيوياً من التكوين وكأنه يصور الفضاء الكوني الذي تسبح فيه الأفكار، الألوان عنده تميل إلى الرصانة والحيادية (الرماديات، الأزرق العميق، والترابيات)، مما يخلق حالة من «الهدوء الدرامي» الذي يجبر المشاهد على الصمت والتأمل.
نلاحظ أيضاً الحوار بين «الخط الحاد» و»الكتلة اللينة» حيث تقطع الخطوط المستقيمة انسيابية الدوائر معبرةً عن التضاد بين العقل والروح. أعمال المسعري في هذا المعرض تمثل ذروة النضج في المدرسة التجريدية السعودية؛ حيث تتحول اللوحة من مجرد مشهد بصري إلى «خريطة فكرية» تبحث عن التوازن والهارموني في هذا العالم المضطرب.
زيادة الثقافة الفنية وبناء الجمهور النقدي
إن الدور الذي تلعبه «سلسلة المعارض الفردية» يتجاوز النخبة الفنية ليصل إلى الجمهور العام، من خلال تقديم مواد نقدية مصاحبة وشرح لفلسفة كل فنان، تساهم هذه المعارض في «محو الأمية البصرية» وزيادة الثقافة الفنية حيث يصبح الزائر قادراً على التفريق بين المدارس الفنية وفهم أبعاد التجريد عند المسعري وإدراك الرمزية المكانية عند مغربل. هذا الجمهور المثقف فنياً هو الضمانة الحقيقية لاستمرار النهضة الثقافية لأنه الجمهور الذي يقدر الإبداع ويحمي المنجز الفني.
الفن كرسالة بناء ومستقبل
إن ما يحققه معهد مسك للفنون عبر هذه السلسلة هو استثمار في الإنسان السعودي وفي إرثه الحضاري. إن الجمع بين فؤاد مغربل وسعد المسعري في تظاهرة واحدة هو جمع بين «الروح» و»العقل»، وبين «المكان» و»الفكرة».
لقد أثبت هؤلاء المبدعون من الأجيال الأولى للحركة التشكيلية أن الفن التشكيلي السعودي ليس مجرد صدى لمدارس عالمية، إنه كيان مستقل له مفرداته الخاصة المستمدة من تربة هذا الوطن. إن المعرض هو رسالة لكل فنان شاب: أن الطريق إلى العالمية يبدأ من فهم الأصالة، وأن الإبداع الحقيقي هو الذي ينجح في أن يكون «ذاكرة أمة» و»فضاءً للتفكير» في آن واحد.
وبهذا، تظل «سلسلة المعارض الفردية» علامة فارقة في مسيرة الفن السعودي، تكسر الحواجز، وتوثق الذاكرة، وتفتح أبواب المعرفة والجمال أمام كل باحث عن الحقيقة من خلال اللون والريشة.
* * *
- تويتر: AL_KHAFAJII