د.عبدالعزيز الجار الله
هطلت على المملكة في السنوات الأخيرة، تحديداً خلال عامي 2025/ 2026 أمطار غزيرة بالأخص وسط المملكة في فصلي الخريف من سبتمبر وحتى نوفمبر، وفصل الربيع من فبراير حتى مايو كميات كثيفة من متوسطة إلى عالية أدت في بعض النواحي من الأراضي إلى فيضانات ربما جارفة ظهرت في بعض الأودية والسباخ والرياض والقيعان.
اشتهرت منطقة القصيم بنمط تاريخي قديم من الزراعة هي الزراعة (البعلية - العثرية) زراعة طبيعية تعتمد على سقيا الأمطار، كانت تتم بفعل الإنسان، وبدونه في الأزمنة القديمة حين كان يعتمد في غذائه على الجمع والالتقاط قبل اكتشاف الزراعة في العصور الحجرية، واستمر الإنسان على أسلوب الجمع والالتقاط في البيئات المنتجة مثل الغابات والسهوب المفتوحة وقرب مساقط الأمطار والروافد المائية، ثم طور الإنسان هذه الأساليب بالحرث والزراعة عبر مراقبته لأطور النباتات الموسمية والفصلية.
كانت رؤية السعودية 2030 قد شجعت ممثلة ببرامج وزارة البيئة والمياه والزراعة أساليب الزراعة البعلية المطرية التي أطلقت عليها الزراعة الموسمية كونها تعتمد في الري على الأمطار، وحددت القطاع الغربي من المملكة محيط جبال: السروات، الحجاز، مدين. الواقعة في قطاع الدرع العربي الذي يشكل ثلث مساحة المملكة - مساحة المملكة نحو مليوني (2) كيلومتر مربع - ويعتمد الدرع العربي في الري على مياه الأمطار، ومياه الشقوق والصدوع لعدم وجود طبقات حاملة للمياه كما هو في القطاع الشرقي القطاع الرسوبي الخازن للمياه الجيولوجية والجوفية والقريبة من السطح، حيث تم إعفاء المزارعين من القروض الزراعية السابقة نظراً لشح المياه، وتشجيعهم على الزراعات الموسمية.
عرفت منطقة القصيم هذا النمط من الزراعة البعلية الموغل بالقدم، لأن القصيم تشكل النموذج الأمثل للزراعة الطبيعية المطرية، نتيجة اختراق العديد من الأودية والروافد لأراضيها، أيضاً لوفرة المياه الجوفية في الطبقات الحاملة للمياه، والمياه الضحلة القريبة من السطح في القطاع الشرقي.
تركيبة منطقة القصيم تتشكل على هيئة حوض مائي كبير لتصريف سيول جبال ومرتفعات مناطق: شمال غربي منطقة الرياض، وشرقي منطقة المدينة المنورة، وجنوب شرق منطقة حائل عبر مجرى وادي الرمة الكبير وروافده، لينطلق من الغرب إلى الشرق، ويستكمل جريانه في وادي الأجردي ثم وادي الباطن في الحدود الشمالية.
كما جاء شرقي القصيم على شكل فضاءات من: السهوب، الكثبان الرملية، حافات، قرى زراعية، سهول ممتدة يتم عبرها الزراعة البعلية على نطاق واسع من: القمح وأنواع أخرى من الحبوب والمنتجات الأخرى، دون الحاجة إلى طرق الري، بل عبر الحرث ونشر البذور بالآلات الحديثة لتهيئة الأراضي في وقت قصير في انتظار موسم الأمطار، ثم يتم حصاده. هذا النهج في السهول الرملية قد يكون أكثر إنتاجاً، ومسانداً لبرامج الأمن الغذائي دون هدراً للمياه. برزت أهمية الزراعة الموسمية مع المحافظة على المياه في الأزمات الدولية منذ عام 2020 :
أزمة كورونا خلال عامي 2020/ 2021، الحرب الروسية - الأوكرانية 2022، حرب إسرائيل على فلسطين (غزة) وجنوب لبنان أكتوبر عام 2023/ 2024 حتى الآن، الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران عام 2025 / 2026 حتى الآن، نتج عن هذه الأزمات تعطل حركة الملاحة وسفن القمح في مضيق هرمز الخليج العربي، واضطرابات مضيق باب المندب بالبحر الأحمر، وخلقت أزمة إمدادات هددت الأمن الغذائي.