د.شامان حامد
لقد عكست القمة التشاورية التاسعة عشرة التي احتضنتها مدينة جدة، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ثقل المملكة القيادي وقدرتها على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص لتعزيز العمل الخليجي المشترك، استناداً إلى رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز التي وضعت اللبنات الأساسية لتكامل خليجي راسخ ومستدام.
فلم تكن مجرد لقاء بروتوكولي أو خياراً تكميلياً، لتبادل وجهات النظر في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، بل جاءت لترسم خارطة طريق اقتصادية وأمنية عنوانها الأبرز هو الانتقال من مرحلة «التخطيط» إلى مرحلة «التنفيذ المعجل».
والمتأمل في البيان الختامي والتوجيهات الصادرة عن القادة يلمس لغةً غير تقليدية - اللغة الحازمة - في العمل الخليجي، والتي برزت مصطلحات أهمها «الاستعجال» و«الإسراع» كإشارات واضحة على جدية المرحلة، عبر قرارات عملية تستهدف استكمال المشاريع المشتركة وتعزيز الجاهزية الجماعية لدول المجلس.
لقد وجّه القادة بضرورة استكمال متطلبات الوصول لكافة المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها مشروع سكك الحديد الخليجية الذي يمثل العمود الفقري لقطاع النقل والخدمات اللوجستية، إضافة إلى تعزيز الربط الكهربائي والمائي. بما يعكس فهماً عميقاً لأهمية تعزيز الترابط الاقتصادي بين دول الخليج، بما يضمن انسيابية حركة السلع والخدمات، ويرفع كفاءة سلاسل الإمداد، خاصة في أوقات الأزمات، لتكون هذه المشاريع ليست مجرد بنية تحتية، بل هي شرايين اقتصادية تهدف إلى خلق وحدة اقتصادية خليجية بحلول عام 2035، تدعم التحول من الاعتماد الكلي على النفط إلى اقتصاد متنوع يعتمد على البيانات والخدمات اللوجستية المتقدمة عبر انتقال نوعي من التنسيق إلى التكامل الفعلي في إدارة الموارد الحيوية.
إن أمن الطاقة والممرات البديلة في ظل التوترات التي شهدتها المنطقة، وخاصة التهديدات التي مست مضيق هرمز، جاءت قمة جدة لتؤكد على ضرورة عدم ارتهان القرار الخليجي أو أمن الطاقة للظروف الخارجية. كان التوجه نحو إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز عبر ممرات بديلة، وتوسيع نطاق خط أنابيب «شرق-غرب» في السعودية، خطوة استراتيجية لتأمين سلاسل الإمداد العالمية. إن العمل على إيجاد مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي يعكس عمق التفكير الاستباقي في مواجهة الأزمات، ويضمن لدول المجلس دوراً فاعلاً كصمام أمان لاستقرار الأسواق العالمية.
التكامل العسكري.. منظومة الدفاع الجماعي على الصعيد الأمني، أثبتت الأزمة الأخيرة كفاءة القوات المسلحة الخليجية في التصدي للاعتداءات الصاروخية والمسيرات باحترافية تجاوزت 95 %. ومن هنا، شددت القمة على تسريع إنجاز منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، وتكثيف التكامل العسكري تحت مظلة اتفاقية الدفاع المشترك.
إن مبدأ «أمن دول المجلس كلٌ لا يتجزأ» تحول من شعار سياسي إلى واقع ميداني يعتمد على التكنولوجيا الدفاعية الحديثة والشراكات الاستراتيجية المفيدة، مما يعزز السيادة الوطنية ويحمي مقدرات الشعوب.
لقد أرسلت قمة جدة رسالة واضحة للعالم بأن دول الخليج، تحت «الخيمة السعودية الكبيرة»، تمتلك الإرادة والقدرة على صياغة مستقبلها بعيداً عن التدخلات الخارجية.
إن التنسيق الخليجي الموحد لا يسعى فقط لاحتواء الأزمات، بل يطمح لتحقيق ازدهار اقتصادي يقوم على التكامل في «اقتصاد البيانات» والمشاريع العملاقة، حيث إن المرحلة القادمة تتطلب تكاتفاً أكبر بين القطاعين العام والخاص، ودوراً ريادياً لرواد الأعمال في دول المجلس، لتحويل هذه التوجيهات السامية إلى واقع يلمسه المواطن الخليجي، بما يحقق تطلعات المنطقة نحو التنمية المستدامة والأمن الدائم.