سلمان بن محمد العُمري
كلنا يتمنى الرزق العاجل والنجاح التام والتوفيق الدائم، وقد تتعثر خطواتنا ولا تتحقق أمانينا في الوقت الذي نريده ولله الأمر من قبل ومن بعد وهو أعلم بما هو أنفع وأجدى لنا {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، وكثيراً ما يقف الإنسان عند محطاتٍ من التأخير أو التعطيل، ويضيق صدره لأن شيئًا ما لم يتحقق كما أراد أو في الوقت الذي تمنّاه، كزواجٍ طال انتظاره، أو وظيفةٍ لم تأتِ، أو ذريةٍ تأخرت، أو أمنيةٍ لم تُستجب رغم الدعاء المتكرر، ولكن ما لا يدركه كثيرٌ من الناس هو أن في التأخير حكمة، وفي المنع عطاء، وفي الحرمان لطفاً لا تراه الأعينُ العجلة.
كم من مرةٍ تأخر فيها أمرٌ ظنناه حرماناً، فإذا به تأخيرٌ فتح الله به أبواباً من الخير ما كانت لتُفتح لولاه؟، وكم من تأجيلٍ كان رحمةً خفيّة من الله، أبعدَ عنّا شرّاً لم نكن نراه، أو عدّل مسارنا نحو ما هو أفضل لنا في الدنيا والآخرة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أن ما أَصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وما أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ»، وفي هذا الحديث طمأنينة عظيمة للنفس، أن ما كُتب لك سيأتيك ولو تأخر، وما لم يُكتب لك، فلن تُدركه مهما سعيت.
إن سنّة الله في عباده أن يبتليهم أحيانًا بتأخير الأرزاق والأحلام، لا ليُعذّبهم، بل ليهذّبهم، ويُقرّبهم، ويُظهر لهم ما لم يكونوا يُحسنون الظن به؛ فربّما كان تأخير الزواج اختبارًا لصبرك، وتأخير الوظيفة سبباً في تعلّم مهارة، وتأخر الذرية مدخلًا للرضا والدعاء والتضرّع.
الرضا بالقضاء والتسليم لا يعني السكون عن الأسباب، بل يعني اليقين بأن التوقيت بيد من يعلم الغيب، ويريد الخير لعبده، وإن لم يُدركه العبد الآن.
إن عدم التوفيق لا يعني أبداً أن تتوقف عن بذل الأسباب أو الإلحاح في الدعاء، بل على العكس، استمرارك في السعي والدعاء رغم عدم التوفيق الظاهري هو من أعظم علامات الإيمان واليقين بالله، فالمؤمن يوقن أن الأقدار بيد الله، وأنّ عليه أن يسعى ويُحسن التوكل، ويثق أن الله لا يضيّع عمل عامل.
إن عدم التوفيق قد يكون: ابتلاءً ليمتحن الله صبرك وثباتك، وتمهيداً لخيرٍ أعظم مما كنت ترجو، وحماية لك من ضرر لا تعلمه، أو تأديباً لطهارة قلبك وتزكية نفسك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي».
أي أن العجلة وترك الدعاء تمنعان الإجابة، لا التأخير، والله تعالى يقول: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}،
ويقول المولى عز وجل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
فلا تتوقف عن الدعاء، ولا تيأس من السعي، فكل لحظة تصبر فيها، وكل دعوة تلحّ بها، هي رصيد في ميزانك، وسبب في الخير القادم بإذن الله.