وائل الغول
هل يمكن لرئيس عاد إلى البيت الأبيض باعتباره «منقذ الاقتصاد الأميركي» أن يتحول، بعد أقل من عامين فقط، إلى أحد أبرز أسباب القلق الاقتصادي داخل الولايات المتحدة؟ هذا السؤال بات حاضرًا بقوة في واشنطن، مع التراجع الحاد في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
موجة غضب متصاعدة بسبب التضخم، وارتفاع أسعار الوقود، وتداعيات الحرب مع إيران، فضلًا عن آثار السياسات الجمركية التي بدأت تضغط بقوة على المستهلك الأميركي.
تراجع الشعبية
بعد بداية قوية نسبيًا لولايته الثانية مطلع 2025، عندما اقتربت معدلات التأييد من 50 %، دخل ترامب خلال 2026 في واحدة من أسرع موجات التراجع الشعبي.
متوسط استطلاعات الرأي الأميركية حتى أوائل مايو 2026 يكشف حجم الأزمة:
- نسبة الموافقة على أداء ترامب تدور بين 35 و40 %.
- نسبة الرفض ارتفعت إلى ما بين 58 و63 %.
بعض الاستطلاعات جاءت أكثر قسوة:
- Reuters/Ipsos سجلت نحو 34 % فقط كمعدل تأييد.
- CNN Poll of Polls أظهرت 35 % موافقة مقابل 63 % رفض.
- Washington Post-ABC-Ipsos رفعت نسبة الرفض إلى نحو 62 %.
- حتى استطلاعات أكثر قربًا من الجمهوريين مثل Forbes/HarrisX وضعت شعبيته عند حدود 41 %.
لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في الأرقام السياسية، بل في السبب الذي يقف خلفها: الاقتصاد.
الوعد الترامبي
عاد ترامب إلى السلطة مقدمًا نفسه باعتباره الرجل القادر على «خفض الأسعار» واستعادة القوة الاقتصادية الأميركية.
لكن الواقع خلال 2026 سار في الاتجاه المعاكس.
في مارس 2026، قفز مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) إلى 3.3 % على أساس سنوي، بعدما كان عند 2.4 % فقط في فبراير، في واحدة من أسرع القفزات التضخمية خلال السنوات الأخيرة.
أما الارتفاع الشهري فبلغ:
- +0.9 % دفعة واحدة،
وهي أكبر قفزة شهرية منذ سنوات.
لكن الرقم الأكثر صدمة كان في أسعار الوقود.
البنزين.. الشرارة التي أشعلت الغضب الأميركي
أسعار البنزين تحولت إلى العنوان الرئيسي للأزمة الاقتصادية الأميركية.
ففي مارس:
- قفزت أسعار الوقود بنسبة 21.2 % خلال شهر واحد فقط.
- وهي أكبر زيادة شهرية مسجلة منذ عام 1967.
- متوسط سعر الغالون وصل إلى نحو 4.39 دولار على المستوى الوطني.
تقارير اقتصادية أشارت إلى أن الوقود وحده ساهم بنحو ثلاثة أرباع الارتفاع الكلي في التضخم.
ولم تتوقف الأزمة عند البنزين فقط:
- أسعار الطاقة عمومًا ارتفعت بنحو 12.5 % سنويًا.
- وقود الديزل قفز بنسبة 30.8 %.
- أسعار الطيران والملابس والسلع المستوردة ارتفعت بدورها بشكل واضح.
كلفة الحرب مع إيران
التحول الاقتصادي الكبير بدأ مع التصعيد العسكري مع إيران، وسط قفزات حادة في أسعار النفط العالمية.
استطلاعات عديدة أظهرت:
- رفضًا للحرب تراوح بين 66 و70 %.
- وأغلبية تعتبر التدخل العسكري «خطأ استراتيجيًا».
وهكذا، لم تعد الحرب قضية جيوسياسية بعيدة، بل تحولت إلى أزمة معيشية يومية يشعر بها الأميركي كلما ذهب إلى محطة الوقود أو متجر البقالة.
تداعيات التعريفات الجمركية
تواجه إدارة ترامب انتقادات متزايدة بسبب سياسات التعريفات الجمركية، التي انعكست آثارها بشكل مباشر على الأسعار داخل السوق الأميركية.
النتائج كانت واضحة:
- 70 % من الأميركيين يقولون إن التعريفات رفعت الأسعار عليهم شخصيًا.
- حتى بين الجمهوريين، وافق 64 % على هذا الرأي.
- 57 % قالوا إنهم شعروا بتأثيرها في أسعار البقالة.
دراسات اقتصادية قدرت أن:
- التعريفات أضافت نحو 0.7 نقطة مئوية إلى التضخم.
- 34 % من الشركات الكبرى نقلت معظم التكلفة مباشرة إلى المستهلكين.
- التكلفة الإضافية على الأسر الأميركية قد تتراوح بين 700 و2500 دولار سنويًا خلال 2026.
وهنا تكمن الأزمة السياسية الأخطر:
السياسات التي رُوّج لها باعتبارها دفاعًا عن الاقتصاد الأميركي باتت أحد أسباب ارتفاع تكاليف المعيشة.
تراجع الثقة
النتيجة الطبيعية كانت تراجعًا قياسيًا في الثقة بالأداء الاقتصادي، وسط مخاوف متزايدة من دخول الاقتصاد في مرحلة اضطراب طويلة.
استطلاعات حديثة أظهرت:
- أن نسبة الرضا عن تعامل ترامب مع الاقتصاد وتكلفة المعيشة تتراوح فقط بين 22 و30 %.
- بينما وصلت نسب الرفض لطريقة التعامل مع التضخم والأسعار إلى 72 و76 % في بعض القياسات.
الأخطر أن هذا التراجع لم يعد مقتصرًا على الديمقراطيين أو المستقلين فقط، بل بدأ يمتد إلى بعض الفئات التي دعمت ترامب في انتخابات 2024. لكن أزمة ترامب لم تعد سياسية أو اقتصادية فقط.
البعد النفسي السياسي
الأزمة التي يواجهها ترامب لا تتعلق فقط بالأرقام الاقتصادية أو استطلاعات الرأي، بل تضرب شيئًا أعمق بكثير: صورته النفسية والسياسية التي بنى عليها مشروعه بالكامل.
ترامب لم يقدم نفسه يومًا كسياسي تقليدي، بل كرجل «لا يخسر».
لكن ما يحدث في 2026 يبدو مختلفًا.
فالضربة الأخطر على ترامب ليست فقط ارتفاع التضخم أو أسعار الوقود، بل أن هذه الأزمات بدأت تكسر الهالة الرمزية التي أحاط بها نفسه لسنوات.
وخسارة الهالة الرمزية غالبًا ما تكون بداية تراجع النفوذ، حتى قبل ظهور النتائج في صناديق الاقتراع.
استفتاء على ترامب
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، تبدو الصورة مقلقة جدًا للحزب الجمهوري.
تاريخيًا، يخسر حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي، لكن عندما تهبط شعبية الرئيس إلى ما دون 40 %، تصبح الخسائر غالبًا أكثر حدة.
المؤشرات الحالية توضح:
- تقدم الديمقراطيين في استطلاعات «Generic Ballot» بفارق يتراوح بين 3 و6 نقاط.
- توقعات قوية باستعادة مجلس النواب.
- ومنافسة متصاعدة على مجلس الشيوخ.
وفي حال خسر الجمهوريون مجلس النواب، فإن ذلك قد يعني:
- تعطيل أجندة ترامب التشريعية.
- فتح تحقيقات سياسية جديدة.
- وتحول النصف الثاني من الولاية إلى حالة شلل سياسي.
تساؤلات مفتوحة
هل يواجه ترامب مجرد عاصفة اقتصادية عابرة؟
أم بداية تآكل سياسي سبق سقوط كثير من الزعماء الشعبويين حول العالم؟
وهل تتحول انتخابات التجديد النصفي 2026 من مجرد تصويت على الاقتصاد..
إلى لحظة اختبار حاسمة لبقاء «الظاهرة الترامبية» نفسها داخل السياسة الأميركية؟