الهادي التليلي
الحروب لا تصنع نجاحات ولا تؤسِّس لمستقبل أفضل كما أنها لا تبني صورة ذهنية ناصعة للمنتصر، فالحروق انعكاسات بيئية لا تمحو آثارها الخطابات الرنانة والمؤتمرات والمفاوضات فالانعكاسات البيئية هي الفاتورة التي تدفع ثمنها الأجيال الحاضرة والقادمة على حد السواء الفاتورة البيئية عقاب البشرية لنفسها وترجمة فعلية لهموم المازوشية الجماعية والتي هي في أبسط معانيها تلذذ الإنسان بتعذيب نفسه، غبار الحروب ودخانها يتنفسه من شارك في الحرب ومن رفضها من عاشها ومن ولد بعدها أنها الحقيقة الغائبة عن الذين يتخذون قرار الحرب لسبب واحد ويخلفون آثاراً لتحتاج لسنوات طويلة حتى يخف أثرها، الدورة البيئية البسيطة تحاور صلف الإنسان وتعاقبه بما فعلت يداه فتعكر الهواء ينتج عنه سحب وغيوم ملوثة تنتج أمطاراً تلوث الزرع والحقول ويتغذى الجميع مما لوثت الحروب.
الحروب ليست فقط قرار وصراع ونتائج اجتماعية واقتصادية وتراقص على من يغلق ومن يفتح مضيق هرمز أو باب المندب أو غيره الحروب لها فواتير غالية تدفع ثمنها البشرية والطبيعة على حد السواء.
فهيروشيما ونغازاكي عندما ضربتا بالنووي بقيت الآثار لعقود وعقود وعندما تسربت الإشعاعات في أوكرانيا تضرر قمح العالم لعقود وعندما انتهت حرب البلقان بقيت السماء بغيوم سامة لفترات طويلة ونفس الشيء عندما خلصت حرب الخليج بصفحتيها الأولى والثانية.
البيئة وعاء مشترك لكامل البشرية ولم يحدث أن مس منها غير البشر فالنظرة الضيقة للعالم وحصر الحياة في مصالح جيوسياسية يجعل الخوف على مستقبل العالم مسألة غاية في الأهمية.
الحروب المنتصر فيها خاسر والمنهزم فيها أكثر خسارة والبشرية جمعاء والطبيعة هي الضحية الحقيقية، فثاني أوكسيد الكربون وما لف لفه من سموم على البيئة تترجم انتصار البشر على القيم النبيلة بالحروب التي تؤذي الأجيال اللاحقة.
قد تنتهي الحرب ولكن هل تنتهي آثارها ذلك هو السؤال الذي يجب أن يطرحه أهل الحل والعقد في هذا العالم المتوحش.
الثروات البحرية تدفع ثمن تهور البشرية نحو الحروب نفس الشيء الثروات البرية وكذلك الجو كل شيء تنهشه الحروب يعود في الأخير بالوبال على البشر وتلك هي المازوشية الحقيقية.
الإنسان عدو نفسه من حيث شاء أم أبى يتخذ قرار الحرب وهو لا يعلم أن الحرب في مستواها البيئي هي حرب ضد نفسه وانتحار جماعي.
فالسحب الكبريتية التي فتكت ببيئة لوس أنجلس جراء تهور صناعي والسحب السوداء السامة التي غطت سماء إيران في مفتتح شهر مارس المنقضي جراء الحرب الأمريكية الإيرانية تدفع ثمنها أجيال متلاحقة زيادة على الأجيال الحالية.
البيئة يفتك بها الإنسان عن قصد أو عن سوء تقدير وهي تعيد إليه ما اقترفه بكل أمانة وتلك حكمة الطبيعة.