سعدون مطلق السوارج
لا تُقاس التحولات الكبرى بما يظهر على السطح من أحداث، بل بما تعكسه من تغيّر في القواعد التي تُدار بها هذه الأحداث. وما يشهده الإقليم اليوم لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة من الوقائع المتفرقة، بل كجزء من عملية أعمق لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، حيث لم تعد موازين القوة تُحسم بالأدوات التقليدية، بل بقدرة الأطراف على إعادة تعريف البيئة التي تتحرك داخلها.
في هذا السياق، يبرز مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوصفه ليس مجرد إطار تنسيقي، بل نواة لنظام إقليمي في طور التشكل، يستند إلى تماسك داخلي متصاعد، وعمق اقتصادي متنامٍ، ورؤية استراتيجية تتجاوز حدود ردّ الفعل إلى صناعة الفعل ذاته.
غير أن فهم هذا التحول يقتضي قراءة متأنية لما يجري في الضفة المقابلة من المعادلة. فالسلوك المرتبط بـ إيران لا يزال يعتمد على نمط متكرر من إدارة التوتر عبر أدوات غير مباشرة، تسعى إلى إبقاء الضغط قائمًا دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. إلا أن هذا النمط -ورغم استمراريته- بدأ يصطدم ببيئة إقليمية لم تعد قابلة للتأثر بنفس الدرجة.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة ما شهدته المنطقة مؤخرًا من تصاعد في استهداف البنى الحيوية في بعض دول الخليج، ليس كأحداث منفصلة، بل كامتداد لهذا النمط، ومحاولة لاختبار حدود المعادلة الجديدة. غير أن الأهم ليس الفعل ذاته، بل كيفية استجابة البيئة له؛ وهنا يتجلى التحول الحقيقي، حيث لم يعد التصعيد ينتج الأثر ذاته، ولم تعد أدوات الضغط قادرة على إعادة فرض التوازن السابق.
بالتوازي مع ذلك، تتكشف طبقة أخرى من المشهد، تتمثل في الانخراط الدولي المتزايد في حماية استقرار المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. فالدعوات المتكررة لضمان انسيابية الطاقة، والتحركات الدولية لاحتواء أي تعطّل محتمل، تعكس حقيقة أن الخليج لم يعد مجرد ساحة إقليمية، بل أصبح محورًا أساسيًا في استقرار النظام الاقتصادي العالمي. وهنا تتداخل معادلتان في آنٍ واحد: تصعيد محدود يسعى إلى إعادة فرض النفوذ، ومقاربة دولية تسعى إلى تثبيت الاستقرار.
وبين هاتين المعادلتين، يتحرك الخليج في مسار مختلف، يقوم على تعزيز قدرته الذاتية، بدلًا من الانخراط في دائرة التصعيد. وهذا ما يتجلى بوضوح في التحول الذي تقوده رؤية السعودية 2030، والتي لم تعد مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل موقع الخليج في النظام الإقليمي والدولي.
وفي موازاة ذلك، تظهر مسارات دبلوماسية تعكس إدراكًا متزايدًا لحساسية المرحلة، حيث تتزامن لحظات التصعيد مع محاولات لاحتوائه عبر قنوات الاتصال السياسية. وهذا التوازي بين الضغط والتهدئة لا يعكس تناقضًا بقدر ما يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية، التي لم تستقر فيها القواعد الجديدة بشكل كامل بعد.
وفي قلب هذا المشهد المركّب، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها الركيزة الأكثر تأثيرًا في إدارة التوازن الإقليمي،حيث تجمع بين قوة الدفع الاقتصادي، والقدرة على تحريك المسارات الدبلوماسية، بما يجعلها عنصرًا فاعلًا في احتواء التوترات، وفتح قنوات التواصل، وإعادة توجيه التفاعلات الإقليمية ضمن معادلة أكثر استقرارًا. وهذا الدور لا يقتصر على كونه استجابة للمتغيرات، بل يعكس قدرة على تشكيلها والتأثير في اتجاهاتها.
إن ما يتشكل اليوم ليس مجرد إعادة توزيع للنفوذ، بل إعادة تعريف لمفهوم النفوذ ذاته. فالقوة لم تعد تُقاس بقدرة الطرف على التصعيد، بل بقدرته على التحكم في نتائج هذا التصعيد، وإعادة توجيهه ضمن بيئة أكثر اتزانًا.
وفي هذا السياق، يتحول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من كيان متفاعل مع التوازنات، إلى فاعل في إنتاجها، مستفيدًا من تراكُم عناصر القوة الاقتصادية، وتكامل الأدوار بين دوله، ووضوح الرؤية الاستراتيجية التي تقوده.
ومع ذلك، فإن هذا التحول -على أهميته- لا يعني اكتمال بناء النظام الجديد، بل يشير إلى أننا في مرحلة تشكّل، تتداخل فيها أنماط قديمة مع ملامح جديدة، وتتعايش فيها أدوات تقليدية مع مقاربات أكثر حداثة.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية المرحلة القادمة، التي لن يكون التحدي فيها هو مواجهة الضغوط، بل ترسيخ القواعد الجديدة، وتحويلها من حالة انتقالية إلى واقع مستقر.
فإذا كان الخليج قد نجح في تقليص أثر أدوات التصعيد، فإن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل هذا النجاح إلى نظام دائم، قادر على امتصاص التغيرات، وإعادة إنتاج التوازنات، وفرض منطقه الخاص.
وفي المحصلة، لم يعد السؤال من يملك أدوات القوة، بل من يملك القدرة على إعادة تعريفها. فالنظام الإقليمي الذي يتشكل اليوم لا يُقصي أحدًا بقدر ما يُعيد ترتيب مواقع الجميع، وفق معادلة جديدة لا تعترف بالضغط المجرد، بل بالقدرة على تحويل الاستقرار إلى نفوذ، والتكامل إلى قوة، والرؤية إلى واقع. وهنا تحديدًا، لا يبرز الخليج كطرف في هذا النظام، بل كـ أحد مهندسيه، يفرض منطقه لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر إعادة صياغة قواعدها، والتحكم في مآلاتها، بما يجعله فاعلًا في إنتاج التوازن، لا مجرد متلقٍّ له.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي