ثامر الشهراني
تأتي التطورات الأخيرة في الخليج ضمن سياق حرب 2026 التي اندلعت في 28 فبراير، وأعادت تشكيل قواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ، تحول التوتر إلى نمط تصعيدي متدرج يطال البحر والبر والبنية المدنية، مما يجعل الهجمات على الإمارات وسلطنة عُمان حلقة في مسار أوسع لإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
استهدفت الهجمات منطقة الصناعات البترولية في الفجيرة، ما أدى إلى حريق في أحد الموانئ النفطية وإصابتين، إضافة إلى ضرب مبنى سكني في ولاية بخاء العمانية أسفر عن إصابتين لوافدين وتضرر مركبات مدنية. يعكس هذا النمط انتقالاً خطيراً من الرسائل العسكرية المحدودة إلى المساس المباشر بالبنية الاقتصادية والمدنية، مما يضع أمن الطاقة والممرات الحيوية أمام اختبار غير مسبوق لقدرة المنظومة الأمنية الإقليمية على الاستجابة والاحتواء في بيئة متعددة التهديدات.
وفي السياق الأمني المباشر، أعلنت السلطات أن الدفاعات الجوية الإماراتية تعاملت حتى لحظة إعداد هذا التقرير مع 12 صاروخاً باليستياً، و3 صواريخ جوالة، و4 طائرات مسيّرة، مع الإشارة إلى احتمالية زيادة وتوسع نطاق العمليات خلال الأيام المقبلة، بما يعكس مستوى تصعيد قابل للاتساع وعدم الاستقرار.
يتجلى جوهر المشهد في التناقض الصارخ بين مسارين إيرانيين متوازيين: فبينما تطرح وزارة الخارجية «اتفاق الإطار العملي» مع الولايات المتحدة لخفض التصعيد على مراحل، يواصل الحرس الثوري عملياته الميدانية مستخدماً التصعيد أداة ضغط محسوبة. هذه الازدواجية تعكس بنية قرار معقدة تجمع بين رغبة دبلوماسية في تخفيف العزلة وسعي عسكري لرفع الكلفة على دول مجلس التعاون الخليجي التي لا تُعد طرفاً مباشراً في الحرب.
أدانت الإمارات الهجمات ووصفتها بأنها «استهداف مباشر للأمن المدني والبنية التحتية الحيوية»، فيما أعربت عُمان عن قلقها من امتداد التصعيد إلى أراضيها. وحذرت واشنطن على لسان الرئيس ترامب من أن استمرار الاعتداءات سيُقابل برد أكثر صرامة مع تعزيز الوجود العسكري، بينما تراقب إسرائيل التطورات من زاوية أمن الطاقة وحركة الملاحة.
اقتصادياً، انعكست التطورات سريعاً على أسواق الطاقة العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط بفعل المخاوف من اضطراب الإمدادات واتساع رقعة التوتر في الخليج. ويأتي ذلك في وقت يزداد فيه الضغط على السوق نتيجة تشديد الإجراءات الأمريكية غير المباشرة على مسارات تصدير الطاقة الإيرانية، إلى جانب القيود البحرية والعقوبات التي حدّت من قدرة طهران على المناورة، ما دفعها في فترات سابقة إلى الاعتماد على تخزين كميات كبيرة في الخزانات العائمة والبرية لتجاوز القيود. هذا التراكم في المخزونات، رغم كونه أداة لتخفيف أثر الحصار، يضيف في المقابل هشاشة إضافية لأي تصعيد يمس البنية التحتية النفطية أو مسارات الشحن، خصوصاً في ظل اعتماد السوق العالمية على استقرار الإمدادات عبر الخليج ومضيق هرمز، الذي تمر عبره حركة تجارية وبحرية واسعة تضم سفناً تعود لأكثر من 87 دولة.
بالمجمل، لا يبدو المشهد مجرد مواجهة عابرة، بل اختبار طويل لمعادلات الردع. فبين خطاب تهدئة دبلوماسي وسلوك ميداني تصعيدي، وأمام ضغط أمريكي– إسرائيلي متزايد، تتجه المنطقة نحو أحد ثلاثة مسارات: تهدئة مشروطة هشة، أو تصعيد محدود تحت السيطرة، أو حرب استنزاف طويلة تعيد تعريف قواعد القوة في المنطقة.
** **
- إعلامي سعودي