د. سجى عارف
الإعلام صناعة وطنية، ورافد اقتصادي، وأداة قوة ناعمة، ومؤشر على نضج الدولة وقدرتها على التأثير. فالدولة التي تملك إعلاما قويًا.. تملك القدرة على صناعة صورتها، وحماية مصالحها، وصناعة خطابها وتوجيه وعيها. لذا الإعلام ليس قطاعًا ثانويًا، ولا وظيفة خدمية، ولا مجرد منصات للنشر.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: من يملك تطوير المؤسسات الصحفية والإعلامية، ومن أين يبدأ؟ هل تبدأ من وزارة الإعلام؟ أم المؤسسات الصحفية والإعلامية؟ أم الجامعات التي تخرج الكوادر؟ أم الجمهور الذي يحدد اتجاهات الاستهلاك؟ الحقيقة أن كل طرف يملك جزءًا من القوة ولا أحد يملكها كاملة. فوزارة الإعلام ليست جهة إنتاج أو إدارة محتوى، بل جهة تنظيم وتمكين، ويكمن دورها الحقيقي في وضع السياسات، وتنظيم السوق، وحماية المهنة، ودعم المؤسسات، وبناء بيئة إعلامية عادلة، وفتح المجال للمنافسة، وضمان جودة التدريب، وربط الإعلام برؤية الدولة، والوزارة تستطيع أن تضع الإطار التنظيمي وتقدم نماذج تنفيذه، فهي تستطيع أن تفتح الطريق وتعطي الفرصة للمؤسسات لتسير فيه وتوظف الخريجين.
والمؤسسات الصحفية والإعلامية هي الجهة الوحيدة التي تمتلك غرف الأخبار الحقيقية، وهي خبرة مهنية تراكمية، وذاكرة إعلامية ممتدة، وشبكات لعلاقات واسعة، وقدرة عالية على التدريب العملي، كما أنها تملك فهمًا دقيقًا لسوق العمل، ومع ذلك تترك هذه المؤسسات خارج معادلة التطوير أو اتخاذ القرار.
أما الجامعات فهي تقدم العلم والمعرفة والمناهج وتنتج الأبحاث، وتخرج الآلاف سنويًا، لكنها لا تملك غرف الأخبار، أو البيئة المهنية، أو ضغط العمل، أو واقع الميدان، أو أدوات الإنتاج، أو شبكات المصادر، لذلك يبقى الخريج نظريًا، حتى يدخل سوق العمل، والحل يأتي من البداية وذلك بإضافة التدريب الميداني داخل المؤسسة الصحفية أو الإعلامية منذ بداية الجامعة لا في آخر فصل دراسي، عبر دعم مادي من الوزارة للمؤسسات الصحفية وبإشراف أكاديمي من الجامعة، وبهذا يتلقى الطالب المعرفة من الجامعة، والممارسة من الصحيفة، والتنظيم من الوزارة. لم نغفل أيضًا عن دور الجمهور بصفته شريك لا متلق، فجمهور اليوم صانع اتجاهات، ومؤثر في السياسات، ومحدد لنجاح المنصات، ومشارك في صناعة المحتوى، لذلك لا يكتمل تطوير الإعلام دون فهم الجمهور، ودراسة سلوكه، وتحليل احتياجاته، وبناء محتوى يناسبه، لذا سؤالنا ليس من يملك المنظومة الإعلامية ولكن من يبدأ التطوير؟
والإجابة تبدأ من المؤسسات الصحفية والإعلامية، لأنها تمتلك الخبرة والبيئة والقدرة والتاريخ وقبل كل هذا تملك الإنسان، ويكمل ذلك الإطار التنظيمي والدعم المادي الذي تضعه الوزارة والبناء المعرفي الذي تقدمه الجامعة والاتجاه الذي يحدده الجمهور، فتطوير الإعلام ليس مسؤولية جهة واحدة بل مسئولية منظومة كاملة.
الإعلام القوي يبنى بتكامل الأدوار وإعادة هيكلة المؤسسات والاستثمار في الإنسان ليصبح الإعلام صناعة وطنية لا مجرد وظيفة. والدولة القوية لا تقاس فقط باقتصادها أو بنيتها التحتية بل بقوة إعلامها وقدرته على صناعة الكلمة وتشكيل الوعي وحماية الصورة ونقل الحقيقة ودعم التنمية وقبل كل هذا بقدرته على تمثيل الوطن خير تمثيل.