د. ناهد باشطح
فاصلة:
«نحن نشتري أشياء لا نحتاجها ، بأموال لا نملكها ، لتعجب أناساً لا نهتم بهم»
-ديفيد رامسي-
******
هل نشتري ما نحتاجه ام نشتري ما يشكل صورتنا التي نريد؟
يراودني هذا السؤال كلما رأيت تهافت البعض على شراء العلامات التجارية، أو ما يعرف بالماركات، بغض النظر عن جودتها أو مناسبة قيمتها لمستواهم المادي؟
لن أقيّم هذا السلوك فهو ضمن الاستهلاك الشرائي الذي اعتاده البعض، لكني أود التعمق في علاقة هذا السلوك بالهوية متى وكيف يتوقف الاستهلاك عن كونه سلوكًا.. ويبدأ في تشكيل هويتنا؟
تشرح هذه النقطة الباحثة «هيلغا ديتمار» حيث تقول (أصبح امتلاك السلع المادية «المناسبة» أمرًا حيويًا للكثيرين، ليس بالضرورة بسبب هذه السلع بحد ذاتها، بل لما يُؤمل أن تُوفّره من فوائد نفسية، مثل الاقتراب من هوية مثالية، وبناء صورة اجتماعية مرغوبة، وتحقيق حالات عاطفية إيجابية.
إن التركيز المفرط على امتلاك وشراء السلع بهدف تحسين الحالة النفسية والاقتراب من هوية مثالية قد يُفضي إلى عواقب سلبية على الصحة النفسية، فهناك البحث عن صورة أفضل للذات في الشراء القهري، وهو سلوك استهلاكي غير سليم).
فإذا انجرفنا إلى الهوس بشراء الماركات فإننا نشتري بدافع الحاجة أو المتعة، لكن تدريجيًا، يتحول الشراء إلى وسيلة لإثبات الذات، لغة غير منطوقة نقول بها «أنا من أكون»، تعويض لنقص داخلي أو فراغ شعوري، هنا، لا يعود الاستهلاك مجرد فعل.. بل يصبح تعريفًا للذات.
دعوني أحدثكم عما يحدث عندما يقرر البعض شراء السلع الغالية لمجرد الشعور بالانتماء لطبقة معينة .
في البداية تبرز لديهم الحاجة للشراء، ثم يشترون ما يريدون وليس ما يحتاجون ثم يشترون ما يعكس صورة يحبون أن يرون بها، ومن هنا يدخلون في دائرة التماهي، فجهاز المحمول لم يعد مجرد جهاز، بل «أنا شخص مواكب للجديد» والحقيبة لم تعد مجرد أداة، بل «أنا أنتمي لطبقة معينة»
وحينها يتم التحول من الاستخدام إلى العرض، لا تشترى السلع لتُستخدم بل تشترى ليروننا الناس!!
لقد حولت مواقع التواصل الاجتماعي حياتنا إلى «واجهة عرض» تضخم الحاجة لما لا نحتاجه، فالبعض لم يعد يعيش حياته بل ينسقها لتُعرض للمتابعين والمتابعات في مواقع التواصل الاجتماعي؟
وهنا يكمن الخلل؛ ففي المقارنة المستمرة مع الآخرين، نقيس قيمتنا بما نملك، ونشعر بالنقص دون شراء جديد، نفقد القدرة على الاكتفاء ويصبح «الامتلاك» بديلاً عن «الإنجاز».
المفارقة أنه بالرغم من أن الماركات العالمية الشهيرة تأتي من الغرب إلا أن الدراسات تُشير إلى أن الناس يُقللون من إنفاقهم على الكماليات في الولايات المتحدة وأوروبا، ومع ذلك يوجد مستهلكون كثر، وحجم سوق السلع الفاخرة بمليارات الدولارات وهو في نمو مستمر.
في العالم العربي تحول شراء الماركات العالمية إلى لغة اجتماعية، وحيث يحتاج الفرد العربي إلى الانتماء صار اقتناء الماركات الأداة والوسيلة . تفسر نظرية «الاستهلاك الرمزي» في علم الاجتماع نظرة الإنسان إلى المنتجات كرموز تحمل معاني اجتماعية؛ فالمنتجات لا تشترى لقيمتها الوظيفية فقط بل لما تمثله من معنى وهوية.
كمثال: نشترى ماركات رياضية يعني أن لدينا هوية نشيطة... نشتري ماركات فاخرة يعني أن لدينا هوية نخبوية وهكذا، مع أن الهوية ان تكون بلا كل الإضافات التي تحاول اقتناءها، فأنت لست ابن فلان، ولا ومنصبك ولا نسبك، أنت فقط مجرد من كل ذلك أنت كإنسان ما تحب وما تكره فقط.
لست ضد الماركات بحد ذاتها، بل ضد اللحظة التي تتحول فيها من اختيار شخصي إلى معيار نقيس به قيمتنا.