نجلاء العتيبي
صوتها الطفولي كان يحمل ما يفوق عمرها من وعي، ونظرة الرجاء في عينيها كانت دليلًا صادقًا على قدرة الإنسان على النهوض رغم الفقد، تأمَّلتها فقرأتُ في ملامحها حكاية وطن يحتضن أبناءه ولا يتركهم لمواجهة الحياة وحدهم.
لحظة واحدة كشفت معنى الرعاية حين تتحوَّل إلى التزام، ومعنى الانتماء حين يُصبح مسؤولية حقيقية تعيش في الواقع، في تلك النظرة فهمت أن اليتيم هنا لا يُترَك لفراغ الشعور، ولا يُدفع إلى هامش الحياة، وإنما يجد مَن يمدُّ له يد الثبات؛ ليواصل طريقه بثقةٍ.
في المملكة العربية السعودية يُعامل اليتيم كأمانةٍ لها حقوق واضحة، تبدأ من توفير الحياة الكريمة، وتمتدُّ إلى بناء شخصية متزنة قادرة على الاستمرار، تتكامل الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمع؛ لصناعة بيئة تحيطه بالاستقرار، وتمنحه فرصًا عادلة للنمو. هذا التوجه يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاحتياج، حيث لا يقتصر الدعم على الجوانب المادية، ويشمل الرعاية النفسية والتعليمية والاجتماعية بشكل متوازن؛ فالبرامج الموجَّهة للأيتام تقوم على الاستمرارية، وتُركّز على تنمية الثقة، وتعزيز الشعور بالانتماء، ويتمُّ التعامل مع اليتيم كفرد يمتلك قدرات قابلة للتطوير، ويُمنَح المسار الذي يساعده على تحقيق ذاته.
هذا النهج ينعكس في جودة الخدمات، وفي حضور المتابعة، وفي الحرص على أن يعيش حياة طبيعية دون شعور بالنقص، ومع الزمن تتشكَّل لديه شخصية مستقرة، تُدرك قيمتها، وتعرف طريقها بثباتٍ؛ فالدور المجتمعي يسير في الاتجاه نفسه، حيث يشارك الأفراد والمؤسسات في دعم الأيتام بوعي يحفظُ كرامتهم، ويبتعدُ عن أي مظهر استعراضي، فتظهر هذه المشاركة في المبادرات المنظمة، وفي العمل التطوعي، وفي ثقافة عامة تُعزّز معنى العطاء المسؤول.
هذا التكامل يخلق شبكة دعم متماسكة تجعل اليتيم محاطًا برعاية حقيقية تُعزّز استقراره، وتدفعه إلى التقدم، فاليتيم في هذا الإطار لا يُعرف بفقده، بل يُعرف بقدرته على البناء، فتُفتح أمامه مجالات التعليم والعمل، ويُمنح فرصة الاندماج الكامل في المجتمع، فيتحوَّل إلى عنصر فاعل يُسهم في تنمية وطنه.
هذه النتيجة واقع تؤُكّده نماذج كثيرة أثبتت أن الاستثمار في الإنسان هو الأساس في بناء مجتمع متماسك؛ فحين استحضرت صورة تلك الطفلة أدركت أن ابتسامتها جاءت نتيجة منظومة ترى في الرحمة قوة، وفي العدل أساسًا للحياة، فهمت أن الفخر لا يحتاج إلى إعلانٍ، فيكفي أن يظهر في تفاصيل تصنع فرقًا واضحًا، وفي وطن يمنح أبناءه هذا الاحتضان، فيصبح الرجاء واقعًا ممتدًّا، ينعكس أثره في كل من نشأ على أرضه، ويستمرُّ عطاؤه عبر أجيال تعرف قيمة الإنسان، وتحفظ حقَّه، وتبني مستقبلها بثقة راسخة.
ضوء
«في وطنٍ يعرف معنى الاحتضان الحقيقي ينمو اليتيم مطمئنًّا، ويصنع مستقبله بثقة راسخة دون خوف أو تردد».