تغريد إبراهيم الطاسان
لم تعد المشكلة في طول يوم العمل.. ويكفي ما يسلبه من حياتنا دون أن نشعر. هكذا، ببساطة قاسية، تغيّر تعريف «الدوام» من كونه وقتًا محددًا نؤدي فيه مهامنا، إلى كيانٍ ممتد يتسلل إلى تفاصيلنا اليومية، ويعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا وبمن نحب.
كان المشهد واضحًا قبل سنوات: ينتهي الدوام عند الثانية، نعود إلى بيوتنا محمّلين بتعبٍ جسدي لا أكثر، لنجد بيتًا حيًا ينتظرنا، وضحكاتٍ دافئة، ومائدة غداء تجمع العائلة في لحظة يومية ثابتة. لم تكن الحياة مثالية، لكنها كانت متزنة.. وكان للبيت حضوره، وللعلاقات وقتها، وللإنسان مساحته الخاصة.
اليوم، تغيّر كل شيء. ينتهي الدوام -إن انتهى- عند الخامسة، وربما بعدها. نعود إلى بيوتنا لكننا لا نعود حقًا. نحمل معنا العمل نفسه، واجتماعاته، ورسائله التي لا تتوقف، وتوقعاته التي لا تنتهي. نجلس مع عائلاتنا بأجسادنا، لكن عقولنا معلّقة في شاشة، أو بريد إلكتروني، أو مكالمة مؤجلة. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية: لم نعد قادرين على أن نكون «حاضرين».
العمل لم يعد ينتهي عند باب المكتب، أصبح ضيفًا دائمًا في منازلنا. يشاركنا موائدنا، ويقاطع أحاديثنا، ويقتطع من هدوئنا، ويؤجل لحظاتنا العائلية إلى أجل غير مسمى. ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد ضغط مؤقت، ولكنه تحوّل إلى نمط حياة يُعاد إنتاجه يومًا بعد يوم، حتى أصبحنا غرباء في تفاصيل كنا نعيشها يومًا بكل بساطة.
الأكثر إيلامًا أن هذه الحالة لا تُفرض دائمًا برضا، بل كثيرًا ما تكون نتيجة لواقع وظيفي هش، خاصة لدى أصحاب العقود. هؤلاء يعيشون حالة دائمة من عدم الاستقرار، حيث يصبح الرضوخ لمتطلبات العمل - مهما تجاوزت حدود المنطق - خيارًا اضطراريًا لا رفاهية فيه. فعدم الاستجابة قد يعني ببساطة خسارة الوظيفة، أو استبعادًا صامتًا، أو تراجعًا في التقييم. وهنا، لا يعود السؤال: «هل هذا مناسب؟» ولكن: «هل أستطيع أن أرفض؟».
في هذا السياق، تتآكل الحياة الشخصية بصمت. كيف يمكن لامرأة أن تفكر في تكوين أسرة، أو حتى الاستقرار النفسي، في ظل دوام يمتد إلى المساء، ومتطلبات لا تنتهي؟ كيف يمكن لأب أن يؤدي دوره الحقيقي، في إيصال أطفاله إلى مدارسهم، واستقبالهم، ومشاركتهم تفاصيل يومهم، وحضور فعالياتهم، وهو بالكاد يجد وقتًا لالتقاط أنفاسه؟ المسألة لم تعد تنظيم وقت، هي إعادة تعريف للأدوار، وتنازل قسري عن مساحات إنسانية أساسية.
نحن لا نتحدث هنا عن الكسل، ولا عن رفض العمل، ولا عن الدعوة لتقليل الإنتاجية. على العكس، نحن أمام سؤال أعمق: ما قيمة الإنتاج إذا كان ثمنه تفكك العلاقات، واهتزاز الاستقرار الأسري، واستنزاف الإنسان نفسيًا واجتماعيًا؟ أي نجاح مهني يمكن أن يبرر أن يكبر الأبناء دون حضور حقيقي من آبائهم، أو أن تتآكل الروابط بين أفراد الأسرة تحت ضغط «الالتزام الدائم»؟
لقد أصبحنا -دون مبالغة- غرباء عن بعضنا. نعيش تحت سقف واحد، لكن لكل منا عالمه المنفصل، وجدوله الخاص، وانشغاله الذي لا ينتهي. تقلّصت الأحاديث، واختفت العادات اليومية المشتركة، وتحوّلت اللحظات العائلية إلى فواصل قصيرة بين التزامات أطول.
المزعج ليس الدوام بحد ذاته.. فكل المجتمعات تعمل وتنتج.
المزعج حين يتحول العمل إلى كيان يلتهم البيت، ويهز استقراره، ويعيد تشكيل أولوياتنا دون أن نستأذن. حين يصبح «الانشغال» هو الحالة الطبيعية، و»الفراغ» تهمة، و»الاعتذار عن العمل» مخاطرة.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط مراجعة لأنظمة العمل، نحتاج إعادة توازن حقيقية بين الحياة المهنية والشخصية. نحتاج إلى ثقافة مؤسسية تدرك أن الموظف ليس آلة إنتاج، هو إنسان له حياة، وأسرة، واحتياجات نفسية واجتماعية. نحتاج إلى سياسات تحمي حدود الوقت، وتمنح العاملين مساحة للانفصال الصحي عن العمل، دون خوف أو قلق.
لأن القضية في جوهرها ليست ساعات عمل.. بل حياة تُستنزف بصمت.