د. إبراهيم بن جلال فضلون
التعليم لم يعد رحلة إنسانية.. بل أصبح عملية تحميل بيانات في عقل مُهجن، فحين تتحول المعرفة إلى خوارزمية، يفقد المعلم سلطته، وتفقد المدرسة معناها التي كُنا نسعد بها وبسلطتها وهيبة مُعلمينا، لكن الفرحة لم تدُم، بهذه الروح القلقة التي تستشرف المستقبل، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم، بما نقرأه من التحول العنيف الذي يضرب بنية التعليم اليوم تربية أبنائنا. لنجد أنفسنا أمام تساؤلات وجودية حول ماهية التعليم وما إذا كانت الجدران والسبورات السوداء قادرة على احتواء جيل «الخوارزميات، فلم تعد المدرسة ذلك الفضاء المقدّس الذي تُصاغ فيه العقول، ولم يعد المعلم حامل شعلة المعرفة، بل أصبح كلاهما مهدداً بالذوبان في عالم جديد تقوده الخوارزميات، حيث تُستبدل العلاقة الإنسانية بالتفاعل الرقمي، ويُختزل التعلم في نقرة، حتي أنه لن يتذكر أحد الأبيات الشعرية التي مجدت المعلم أو الأم كمدرسة.
ستتولى الخوارزميات تربية الجيل بديلاً عن الجميع، فيبدأ المشهد التعليمي في التبدل، حيث لم يعد المعلم ذلك الشخص الذي «كاد أن يكون رسولاً» في نظر الجيل الجديد، بل غادر الخشبة وأطفئت الأنوار عليه في مسرحية لم يعد له فيها دور قيادي أمام سلطة مدرسة الخوارزميات وهيمنة الإنسان ذي العقل والإحساس المهجنين، فلم تعد المدرسة مكانًا، بل «خدمة، حيثُ تشير البيانات العالمية حتى عام 2026 إلى تحولات غير مسبوقة أن : (أكثر من 65 %من الطلاب عالميًا يستخدمون منصات تعليم رقمية بشكل يومي، ونحو 40 %من المؤسسات التعليمية تعتمد نماذج تعليم هجينة أو عن بُعد، فبات الذكاء الاصطناعي يُستخدم في تصميم المناهج وتقييم الطلاب بنسبة تتجاوز 55 %). هذه الأرقام لا تعكس مجرد تطور.. بل انقلابًا يكتبُ نهاية المدرسة؟، وبداية تأكُل البنية المؤسسية للتعليم؛ فمن المتوقع بحلول عام 2026 وما بعدها أن يبدأ اختفاء المدارس والجامعات من المشهد المؤسسي، ليصبح الأمر واقعاً عادياً جداً.
وخلال عقود قليلة، قد تتحول الفصول الدراسية إلى محال تجارية أو زنزانات انفرادية، مع اختفاء أدوات التعليم التقليدية (الطباشير والسبورات والدكك)، ليصبح تجميع الأطفال تحت سقف واحد بجدول زمني ومواد محددة «خرافة من زمن ولى.
والبديل المقترح هو «عبقرية الفوضى» أو الفوضى العالمة ذات التنظيم الهرمي المُحكم والمُنفلت في آن واحد، حيث يعتمد البشر على شرائح إلكترونية وبرمجيات خوارزمية تفتح آفاقاً على المجهول. وتدعم الإحصائيات العالمية هذا التوجه نحو التغيير، حيث اعتمدت أكثر من 60 دولة تدابير لتقييد الهواتف للحد من تشتت الانتباه، رغم وجود فجوة تقارب 30 % بين القوانين والتطبيق الفعلي من قبل الطلاب، ولا زلنا نحنُ العرب نتكالب على شراء الهواتف الذكية للأبناء وتفاخر بذلك، إنها فوضى.. لكنها منظمة بخوارزميات ذكية. فوضى تخلق «عبقرية فردية» لكنها تهدد «الهوية الجماعية»، حيث يصبح التعليم «برمجة» لا تحصيلاً، عبر زرع شرائح إلكترونية في الأدمغة والأجساد، مما يلغي الحدود التقليدية بين الزمن والمكان. ومع هذا التحول، يفتقد الإنسان للدفق الإنساني والعلاقات الدافئة التي كانت توفرها المدرسة الكلاسيكية، ليحل محلها «إحساس رقمي» بارد؛ لتنقلب منظومة القيم رأساً على عقب؛ فمفاهيم مثل الحب، الخوف، والحرية تخرج من معانيها القديمة لتكتسب دلالات «ضدية» تحت سلطة مدرسة الخوارزميات، حيثُ الفردانية والمنفعة المتوحشة لا ينشأ الطفل داخل مجتمع.. بل داخل واجهة رقمية.
ومن بدأها الآن يصرخ منها، إذ اتخذت دول أوروبية عديدة خطوات صارمة للحد من الإدمان الرقمي وتشتت الانتباه، وتراجع مهارات التواصل المباشر بنسبة تقارب 30 % لدى الأطفال، ففي فرنسا، طبق حظر شامل في الابتدائي والثانوي منذ 2018، وتوسع في 2023 ليشمل مبادرة «الاستراحة الرقمية» في نحو 200 مدرسة إضافية. أما في هولندا، فقد بدأ في يناير 2024 حظر الاستخدام غير التعليمي للهواتف والساعات الذكية والأجهزة اللوحية، كما فرضت المجر حظراً وطنياً شاملاً منذ سبتمبر 2024، بينما تمنع إيطاليا استخدام الهواتف من مرحلة الروضة حتى الثانوي، مع استثناءات محدودة لدعم التعليم الفردي أو حالات الإعاقة، كما تُلزم اليونان طلابها بوضع الهواتف داخل الحقائب طوال اليوم الدراسي، في حين تقترح السويد حظراً كاملاً حتى سن 16 عاماً بجمع الأجهزة صباحاً وإعادتها عند المغادرة، وغيرهم تعمل دول أخرى مثل أيرلندا وبلجيكا ولاتفيا ولوكسمبورغ على تنفيذ إجراءات مشابهة بمدى زمني يمتد حتى عام 2025.
إنها قرارات لم تأتي من عشوائية إلا بعدما انهارت المنظومة التربوية والتعليمية. وتتجلى إيجابيات هذه القرارات في تحسين المناخ الاجتماعي، زيادة جودة التعلم، وتقليل التنمر الإلكتروني وتحسين النوم، بينما تبرز السلبيات في قلق الأهل من فقدان وسيلة التواصل الفوري لتحديد مواقع أبنائهم. وهنا يبرز دور الأهل المحوري في التوعية بالاستخدام الآمن للإنترنت وإدارة مرحلة الحظر بالتعاون مع المدرسة. ويا حسرتاه على أكبادنا، حيثُ يعكس تحليل استهلاك بيانات الهواتف في الدول العربية، مدى الانغماس الرقمي في المنطقة العربية، ما يفرض تحديات تربوية حول ضرورة تحويل هذا النشاط الرقمي من مجرد ترفيه إلى رافد تعليمي مُنتج، حيث تصدرت السعودية القائمة بمتوسط استهلاك شهري للفرد بلغ 83.9 جيجابايت فالكويت بمتوسط 74.1 جيجابايت، ثم قطر بـ68.2 جيجابايت، والإمارات العربية المتحدة بـ64.3 جيجابايت، وعُمان بمتوسط (59.4 جيجابايت)، والبحرين (54.8 جيجابايت)، والأردن (53.1 جيجابايت)، ثم لبنان (49.2 جيجابايت واختتمت القائمة بدول مثل فلسطين (45.5 جيجابايت)، والعراق (42.3 جيجابايت)، ومصر 40.1) جيجابايت).
تُظهر المقارنة تبايناً في التعامل مع التكنولوجيا؛ فبينما تميل أوروبا نحو «التقنين التشريعي» الصارم لحماية التركيز والعملية التربوية، يشهد العالم العربي «انفجاراً» في الاستهلاك الرقمي حيثُ الاستخدام المُكثف وغير المُنضبط كان سبباً في تراجع التركيز والاعتماد الكلي على مصادر المعرفة الخوارزمية، مما يهدد «الذكاء الطبيعي» التاريخي ويُضعف القدرة على الإبداع الأصيل. كما أن اللغة والقيم في كلا المجتمعين تواجه خطر التراجع أمام لغة الشاشات، لكن العقل العربي يواجه تحدي «التبعية الرقمية» لمنصات قد لا تتوافق مآلاتها مع قيمه وجوهره الإنساني.
وقفة: ليست المشكلة في أن تختفي المدرسة.. بل في أن يختفي الإنسان داخلها. فنحن لا نودّع المعلم.. بل نودّع شكله القديم. ولا نودّع المدرسة.. بل نعيد تعريفها. والتحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا، بل في الحفاظ على «الإنسان» داخل هذا الكيان المهجن، لضمان ألا تتحول «عبقرية الفوضى» إلى قوة تدمر العقل البشري بدلاً من تطويره.. فهل سنصحو ذات يوم قريب لنجد أن انقلاباً كاسحاً عصف بفلسفة التعليم برمتها؟