غادة الوعلان
حين اطلعتُ على نعي الأستاذ الدكتور محمود الربداوي -رحمه الله- أحد أعلام قسم اللغة العربيّة في جامعة الملك سعود في مرحلة من مسيرتها العلميّة، عادت إلى ذاكرتي تجربتي الدراسيّة معه في مقرر «علم الجمال» بوصفها تجربةً معرفية، فتحت لي مدخلاً واعياً لإدراك الجمال كقيمةٍ إنسانيةٍ تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، تمنح فهماً أعمق للوجود، بوصفه قيمةً مؤسِّسةً للسلوك، ومصدراً فكرياً يُخرجه من هوامش المعرفة. وهنا يتجدد السؤال التربوي: أين يقف الجمال في منظومتنا التعليمية؟ وهل ما زلنا نتعامل معه كأحد مرتكزات بناء الإنسان، أم اختزلناه في نطاقٍ محدود لا يتجاوز الإعجاب العابر؟ إن طرح هذا السؤال لا يأتي من حنين إلى تجربة تعليمية مضت، بقدر ما ينبع من شعور بأهميّة الجمال كعنصر فاعل في تحقيق «جودة الحياة» التي تعد أحد المرتكزات الأساسية في رؤية السعودية 2030، حيث يتقاطع البعد الجمالي في كل ما من شأنه أن يرتقي بالإنسان.
تُعرف الأدبيات التربوية «التربيّة الجماليّة» بوصفها عملية منظمة تستهدف تنميّة قدرة الفرد على إدراك القيم الجماليّة وتقديرها والتفاعل معها إدراكاً وسلوكاً. وهي، بهذا المعنى لا تقتصر على الفنون بمفهومها التقليدي، وإنما تمتد لتشمل أنماط العيش اليوميّة، والبيئة المحيطة، وجودة التواصل الإنساني، فالجمال يتعدى المظهر الخارجي ليكون بناء إدراكياً، قيمياً، يتشكل عبر التعلم، والخبرة، وينعكس مباشرة على الذوق والاختيار، وأنماط التفاعل مع الذات والآخرين.
وبهذا المفهوم، تشترك الرؤية التربوية مع المنظور القيمي الذي يؤكد أن الجمال أصلٌ في التكوين الإنساني، كما في الحديث الشريف «إن الله جميل يحب الجمال» وهي قاعدة تُقر القيمة، وتُحمّل التربية مسؤولية غرسها في السلوك اليومي؛ بدءاً من العناية بالمظهر، مروراً بحسن الكلمة، وانتهاءً بإتقان العمل واحترام النظام. فالجمال في جوهره، لا يمكن حصره في لوحة فنيّة أو هيئة حسنة، فهو أسلوب حياة يُترجم في تفاصيل المأكل والمشرب، والملبس والمسكن، والتعامل والتعلم.
وتشير الدراسات في علم النفس التربوي وعلم الجمال إلى تنميّة الحس الجمالي ترتبط بارتفاع مستويات الوعي والتنظيم الذاتي، وتعزيز الدافعيّة الداخلية فضلا عن تحسين جودة التفاعل مع البيئة. كما أن البيئات المنظمة والمتناسقة بصرياً تسهم في رفع مستوى التركيز وتقليل التشتت، وهو ما ينعكس إيجاباً على التحصيل والتكيف المدرسي. وعليه فإن إدماج البعد الجمالي في التعليم يعد عنصراً داعماً للكفاءة التعليمية وجودة الحياة. من هنا يمكن القول بأن هناك حاجة إلى اعتماد التربيّة الجمالية» مقرراً دراسيّاً متنوعاً ومتجدداً، يقوم على مقاربة تكامليّة تجمع المعرفة والتطبيق، مقرر يُعنى بتنميّة مهارات الإدراك الجمالي، من خلال تدريب الطالب على الملاحظة الواعيّة وفهم عناصر الجمال كالتوازن والانسجام والإيقاع؛ ويُعزز التذوق الفني عبر التعرف على أشكال التعبير في الفنون والآداب؛ ويربط الجمال بالسلوك اليومي، بحيث يصبح النظام، ونظافة المكان، وجودة التعبير، ممارساتٍ نابعة من وعي جمالي؛ كما يلفت الانتباه إلى أثر البيئة الطبيعية والمصنوعة في تشكيل الذوق والسلوك.
ولا يكتمل هذا المقرر إلا إذا تجاوز الإطار النظري إلى التطبيق العملي عبر إستراتيجيات تعليم نشطة، مثل التعلم بالملاحظة، والمشروعات، والزيارات الميدانيّة للطبيعة والمتاحف وممارسات التأمل الموجّه. كما ينبغي أن تعتمد أساليب تقويم بديلة تقيس نواتج التعلم السلوكية والوجدانية كملفات الإنجاز والمهمات الأدائية بدلاً من الاقتصار على الاختبارات المعرفيّة.
وتزداد أهميّة هذا التوجه إذا ما أخذ في الاعتبار أن الطفولة تمثل المرحلة الأكثر قابليّة لتشكّل الذائقة. فتعويد الطفل منذ نعومة أظفاره على الترتيب، وتناسق الألوان، وجمال العبارة، واحترام المكان يرسخ سلوكيات آنيّة، ويؤسس لبنيّة معرفية وجدانيّة طويلة الأمد تجعله أكثر قدرة على تمييز الجمال وصناعته، وأكثر رفضاً لمظاهر القبح والفوضى.
فالتربيّة الجمالية مهمة جدا أن تكون جزءا من منظومة متكاملة تُجسد القيم الجمالية في بيئة التعلم نفسها؛ في تصميم المدارس، وفي لغة الخطاب التربوي، وفي طبيعة العلاقات داخل المؤسسة التعليمية. فحين يعيش الطالب الجمال في محيطه يصبح أكثر استعداداً لتبنيه سلوكاً دائماً، لا معرفة مؤقتة.
إن المجتمعات التي نجحت في ترسيخ جودة الحياة لم تبلغ ذلك عبر التشريعات وحدها، وإنما من خلال بناء ذائقة تنجذب إلى النظام والرقي، وتستبشع القبح في مظاهره المختلفة. وهذه الذائقة تُنمى بالتدرج عبر التربيّة التي تدرك أن الجمال قيمة إنسانيّة أصيلة تُهذب السلوك وترتقي بالوجدان. وباستحضار مقرر علم الجمال في قسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود في سنوات مضت نلمس الحاجة إعادة الاعتبار لهذا الحقل المعرفي، وتحويله إلى مشروع تربوي منهجي، يُسهم في بناء إنسان أكثر وعياً، وأرقى سلوكاً وأقدر على صناعة الجمال في ذاته ومحيطه. فالجمال في نهاية المطاف أحد الشروط الجوهرية لارتقاء الإنسان وبناء الحضارة.