الحمدُ للهِ الذي ينفذُ قضاؤه بحكمةٍ بالغة، ويُجري أقداره بلطفٍ خفيّ، فيبتلي عباده رحمةً بهم، ويكسو المحنَ أثوابَ الأجر والاصطفاء.
له سبحانه الحكمةُ فيما قدّر، وله الحمدُ على ما أعطى وما أخذ، وإليه المرجع والمآب.
رحل أخي الغالي عبدالعزيز -رحمه الله- بعد رحلةٍ طويلة مع المرض امتدّت اثنتين وثلاثين سنة، قضاها صابرًا محتسبًا، ثابتًا على الرضا واليقين، يرجو رحمة الله ويؤمّل ما عنده من الأجر العظيم. لم يكن المرض في حياته مجرّد معاناةٍ جسدية، بل كان ميدانًا عظيمًا للإيمان، ظهرت فيه معاني الصبر الصادق والتسليم الخالص لله تعالى.
لقد كان عبدالعزيز -رحمه الله- مثالًا حيًّا للطمأنينة والاحتساب، فلم يُعرف عنه جزعٌ ولا تسخّط، بل كان ساكن النفس، مطمئن القلب، يواجه ألمه بإيمانٍ عجيب ويقينٍ راسخ بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى. كانت ملامحه تحمل سكينة المؤمن، وكأن الصبر قد استقرّ في روحه حتى صار جزءًا من حديثه وصمته ونظرته للحياة. فكان كل من عرفه يرى فيه درسًا عمليًّا في الرضا بالقضاء، والثبات عند البلاء.
وعلى امتداد تلك السنوات الطويلة، كان مرضه عبادةً ممتدة، ورفعةً في الدرجات، وتكفيرًا للذنوب والسيئات بإذن الله. وقد صدق الله تعالى حين قال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)، فالصابرون هم أهل الجزاء العظيم، وأهل الكرامة عند الله، ومن عاش عمره محتسبًا للألم، راجيًا لرحمة الله، فإن الله لا يضيّع أجر من أحسن عملًا.
ورغم رحيل عبدالعزيز، إلا أن أثره باقٍ في القلوب، وسيرته ستظل شاهدًا على عظمة الإيمان حين يسكن قلب الإنسان. فقد علّم من حوله أن الرضا لا يعني غياب الحزن، بل يعني حضور اليقين، وأن المؤمن قد يتألم، لكنه لا يعترض على قضاء الله، لأنه يعلم أن اختيار الله للعبد أرحم من اختياره لنفسه.
وفي هذه الرحلة الطويلة من البلاء، تجلّى صبر والديّ الكريمين -حفظهما الله- في أعظم صوره وأصدق معانيه. فقد حملا همّ ابنهما سنواتٍ طويلة، وسهرا على راحته، وشاركا ألمه بصبرٍ عظيم واحتسابٍ صادق. لم يكن صبرهما مجرد تحمّلٍ للمشقة، بل كان مقامًا رفيعًا من الرضا والتسليم، يظهر في دعائهما، وفي صمتهما، وفي ذلك الثبات العجيب الذي لم تزعزعه قسوة الألم ولا طول المعاناة.
لقد كانا يريان في مرض ابنهما ابتلاءً من الله، تُرفع به الدرجات وتُمحّص به القلوب، فكان الحمد لا يفارق ألسنتهما، وكان الرجاء برحمة الله يملأ قلبيهما. ورغم ما في النفس من حزنٍ وألم، إلا أن الإيمان كان أعظم، واليقين بحكمة الله كان أرسخ. فكان صبرهما درسًا خالدًا في معنى الرضا بالقضاء، والطمأنينة لأمر الله، والثقة بأن رحمته سبحانه أوسع من كل ألم.
نسأل الله الكريم الرحيم أن يغفر لعبدالعزيز، وأن يجعل ما أصابه رفعةً له ونورًا في قبره، وأن يبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
اللهم اربط على قلوبنا بالصبر، وأفض علينا سكينةً من عندك، واجعل فقيدنا شفيعًا لنا يوم نلقاك، واجمعنا به ووالدينا ومن نحب في مستقر رحمتك، في جنات النعيم، إنك وليّ ذلك والقادر عليه.
** **
- د. أمل بنت عبدالله العجلان